• الأحد : ١٦ - مايو - ٢٠٢١
  • الساعة الآن : ٠٧:٥٨ مساءً
ناصر بن سالم اليحمدي:
أولت نهضتنا المباركة منذ بزوغ أشعتها الذهبية على أرضنا الطيبة تراثنا الوطني اهتماما خاصا، وحرصت على حماية هذا التراث الغالي من الاندثار أو النسيان أو التشويه وقامت بتطويره والارتقاء به، واستغلت التطور التكنولوجي الحديث في حفظه وتسجيله وعرضه والترويج له كقيمة حضارية تحكي قصة تاريخ عظيم.
.
فقد كانت وما زالت السلطنة من أولى الدول التي تهتم بكنوزها التاريخية والتراثية حتى أنها خصصت عاما للتراث العماني هو عام 1994م.
.
وحرصت دائما على أن يتعرف المواطن العماني بل والعالم أجمع على مناقب حضارتها التليدة وما يزخر به تاريخها من ثروات إنسانية وطبيعية وجغرافية.

ومنذ أيام شاركت السلطنة دول العالم الاحتفال باليوم العالمي للتراث الذي أقيم تحت رعاية منظمة اليونسكو بهدف تعزيز الوعي بأهمية التراث الثقافي للبشرية ومضاعفة الجهود لحماية التراث والمحافظة عليه.
.
وقد أقيم احتفال هذا العام تحت عنوان “الماضي الغني: مستقبل متنوع” وهذا الشعار رفعته بلادنا منذ بواكير نهضتنا المباركة، حيث عملت على ربط الحاضر والمستقبل بالماضي إيمانا منها بأن من لا ماضي له لا مستقبل له، فتراثنا التليد هو هُويتنا التي تميزنا عن بقية شعوب العالم وبالتالي تشكلت الهُوية العمانية الحديثة بأصالة متجددة وفكر منفتح على العالم.

وتزخر السلطنة بالكثير من المعالم والآثار التاريخية العريقة ذات الجذور العميقة التي أولتها قيادتنا الحكيمة رعاية خاصة، لا سيما القلاع والحصون وغيرها من الشواهد التاريخية العريقة التي تجسد ذاكرة العمانيين، وتشهد على تاريخهم الحافل بالبطولات والأمجاد.
.
ولقد حرصت القيادة الحكيمة على ترميم تلك القلاع والحصون والبيوت الأثرية القديمة والحارات العمانية بصفة مستمرة في مختلف الولايات، كما شهدت الأعوام السابقة تسجيل عدد من الشواهد التاريخية والفنون الثقافية والعادات التقليدية في منظمة اليونيسكو كتراث مادي ومعنوي تتفرد به السلطنة.
.
حيث تضم لائحة اليونسكو للتراث العالمي 5 مواقع أثرية مهمة منها قلعة بهلاء والمواقع الأثرية في بات والخطم والعين وأرض اللبان وأنظمة الري “الأفلاج” وأخيرا تم ضم مدينة قلهات عام 2008م.
.
وما زالت الجهود تتوالى للحفاظ على إرثنا العريق، حيث لم تغفل رؤية “عُمان 2040″ المواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية، بل اعتبرتهم من الأولويات التي يجب الاعتناء بها وتطويرها وصونها فوضعت مبدأ تحقيق “مجتمع معتز بهويته وثقافته وملتزم بمواطنته ويعمل على الحفاظ على تراثه وتوثيقه ونشره عالميا” ضمن أهدافها الرئيسية، واعتبرته محورا من محاور الرؤية المستقبلية وركيزة من ركائزها، خصوصا أننا نعيش زمن العولمة المتسارع الذي يسعى لتذويب الهُوية المميزة للشعوب في بوتقة واحدة ليتوه في دروبها الشعور بالمواطنة والانتماء.

إن جهود الدولة لإدارة التراث الثقافي واستثماره للإسهام في نمو الاقتصاد الوطني وضمان استدامته إلى جانب الحفاظ على الهُوية الأصيلة ملموسة؛ لأن الهُوية هي الماضي والحاضر والمستقبل.

* * *
الموجة الثالثة لجائحة كورونا كشرت عن أنيابها وكشفت عن وجهها القبيح وأصبح انتشارها كانتشار النار في الهشيم وصارت لا تفرق بين كبير وصغير شاب أو مسن، فهي تجتاح من تجده في طريقها بلا هوادة، وسجلت السلطنة منذ بداية شهر رمضان أرقاما قياسية غير مسبوقة، سواء في حالات الإصابة التي أغلبها من الشباب أو الوفاة وهو ما أصابنا بصدمة وإحباط واكتئاب وهلع.

للأسف السباق الذي تقوده البشرية بلقاحاتها وأدويتها ضد فيروس كورونا لم تستطع أن تفوز فيه، فالفيروس يسبق بمراحل مما يشير إلى ما يتمتع به من ذكاء.
.
ولكن في رأيي أننا من نعطي الفرصة لهذا الفيروس للفتك بنا لأنه يستهدف التجمعات لكي ينتشر من خلالها ونحن نقدمها له على طبق من ذهب، سواء في حفلات الأعراس أو التجمعات العائلية أو الدينية أو الرياضية أو الفنية وغيرها، كما أن البعض ما زال غير متحمس لفكرة تلقي التطعيم رغم ما أكده الأطباء من أن اللقاحات لها دور كبير في تخفيف حدة الإصابة الشديدة بالمرض، وبالتالي تجنب التنويم في المستشفى أو الوفاة بسبب هذه الإصابة.

نعرف أن بعض الناس أصابهم الملل من الإغلاق، والبعض الآخر يفتقد الطقوس التي اعتاد عليها في الشهر الفضيل.
.
ولكن الواقع يفرض نفسه وليس أمامنا خيار سوى منع هذه التجمعات قدر الإمكان، خصوصا في الأماكن المغلقة والالتزام بتعليمات وزارة الصحة وتلقي اللقاح حتى تمر هذه الموجة بسلام.
.
أما الاستهتار فعواقبه وخيمة ويعرض الكل للخطر الحقيقي، ولنتذكر قول الله سبحانه وتعالى “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة” والتجمعات تعد أحد مظاهر هذه التهلكة التي نهانا عنها الحق سبحانه.

نحمد الله أن النظام الصحي بالسلطنة ما زال متماسكا ويستطيع التعامل مع حالة الطوارئ التي تواجهها المستشفيات بتزايد أعداد المصابين بما يفوق استيعابها، إلا أنها لم تقصر واستطاعت أن تقدم خدماتها على أحسن وجه وفق إمكاناتها.

إن العمانيين معروف عنهم التكاتف والتلاحم وقت الأزمات.
.
والمرحلة الحالية التي تمر بها البلاد أحوج ما تكون لهذا التلاحم وحشد الطاقات لمواجهة الوباء عن طريق الالتزام بالإجراءات الاحترازية وعدم ترك المنزل إلا للضرورة القصوى ومنع التجمعات نهائيا مع الابتهال لله جلَّ شأنه وقت الإفطار، بل في كل وقت وحين أن يرفع عن بلادنا هذه الغمة.






شارك بهذه الصفحة :

اقرأ المزيد