• الخميس : ٢٣ - سبتمبر - ٢٠٢١
  • الساعة الآن : ٠٩:١٥ صباحاً
في ظل بسط هيمنة

العمانية/ ندرك جميعا أنَّ من بين الدروس المُستفادة من واقع جائحة كورونا، استغلال البدائل الرقمية والإلكترونية في الحياة حولنا، خاصة تلك التي تعمل على تحريك الراكد المتوقف بسبب الإغلاق للأنشطة الفنية والثقافية والفكرية، فقد أصيبت أغلب الفعاليات بشلل تام إنْ صح التعبير؛ نظرًا لدواعي الإغلاق، خوفًا من تفشّي الجائحة، ولكن تمّت معالجة ذلك الشلل باستغلال البدائل الرقمية والإلكترونية والتي أوجدت نوعًا من التواصل الثري غير المُعتاد لمثل هذه الفعاليات.


عندما نتحدّث عن الواقع المسرحي في ظل التوقف التام، وما بعد التوقف، كيف للتحوُّل الإلكتروني الرقمي أن يكون حاضرا في هذا السياق، ترى كيف يجده الفنان المسرحي في السلطنة، وماذا عن إمكانية استغلاله، وكيف لنا أن نتجاوز الإشكاليات التي قد تحد من سير عمل هذا التحوُّل في خدمة المسرح ككل، أسئلة كثيرة قد تبدو حائرة، فهناك من تجاوزها والبعض من وقف حائرا أمام التجاوب معها..

في هذا السياق تقول الفنانة سميرة الوهيبية من فرقة مسرح هرمز: أعلم تماما أن لكل موقف في الحياة أيا كان سلبيا أو حتى إيجابيا، فنحن ننتظر نتائجه ولو بعد حين، لقد أثرت جائحة كورونا علينا بشكل مخيف، ولا زلنا لليوم نعيش نتائجها المريرة، ولكن في كل أمر حكمة، والفطن على وجه الخصوص هو الذي يستطيع الخروج من أية ضائقة بأقل الخسائر.


وتضيف الوهيبية: إذا أردنا الحديث عن واقع الفن المسرحي لدينا والإجابة على ماهية تلك الإجابات التي تبحث عن حل ندرك أن السلطنة ليست بمعزل عن العالم، في كل قطاعاته، الثقافية والفكرية الفنية، وهناك تراجع شديد في كل ظروف الحياة، لكن علينا أن نخرج بدروس حقيقية، تفيدنا إلى ما بعد جائحة كورونا، ألا وهي كيف لنا أن نستغل كل أبجديات التقنية، تلك النعمة التي وهبنا الله إياها لتعمل على تقليل الكثير من الأمور التي كانت تثقل كاهلنا في يوم من الأيام في الشأن الفني المسرحي على وجه الخصوص مع تقليص الكلفة المادية والتحديات التي تواجه المسرح. أتوقع أنه لا يمكن أن يقام مهرجان مسرحي إلكتروني، وأن يبث عبر وسائل رقمية إلكترونية متعددة، لأسباب فنية وثقافية واقعية؛ كون أن المسرح يربط بذلك التواصل المباشر مع الجمهور، ذلك الحس القائم على التبادل في العطاء بين أطراف تكمل بعضها، (خشبة ومسرح)، إن صح القول، ولكن يمكن أن نستفيد من التحوُّل الرقمي سواء كان أثناء وقع الجائحة في الوقت الراهن، أو حتى بعد حين من زوالها، ونحن ننفض غبار ذكراها. أتوقع أن علينا أن نستثمر هذا الأمر في إيجاد الدورات التدريبية للشباب الطموح والمحب للفن، واستضافة المختصين في الشأن المسرحي من كل دول العالم، دون تكلف يُذكر، وعلينا أن نعزز الحلقات العملية والعلمية في شأن المسرح من خلال هذا المنظور التكنولوجي، كما أننا في الوقت ذاته علينا أن نجمع في قولنا إن التنوّع في الأخذ بالأشياء ضروري، للخروج بأقل الخسائر، أظن أنه في قادم الوقت علينا أن ننوّع في التعاطي مع كل المفردات التي من شأنها تعزز الحضور المسرحي العماني واستغلال كافة الظروف المتاحة.

في شأن التحوُّل الرقمي الإلكتروني حول الواقع المسرحي يُشير الفنان والمخرج المسرحي إدريس النبهاني عضو فرقة مسرح الدن للثقافة والفن إلى أنّ ديناميكية التحوُّل البشري والإنساني الذي فرضته جائحة كورونا /كوفيد 19/ انعكست بشكل مباشر أو غير مباشر على جميع مناحي الإبداع الإنساني وجوانبه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفنية ولكون المسرح هو واجهة الإبداع الثقافي والفني فقد طاله هذا الحصار الذي كان له الأثر المباشر في توقف النشاط وصمت الخشبات هذا الصمت الذي أوجد في تشظيات الأرواح شيئا من الوجع والحزن لكن في ذات الآن دفع العديد من المشتغلين للبحث عن بدائل تكون بمثابة احتضان يؤنس وحشة الهجران.

ويضيف النبهاني أنه وكما أن للحضور الرقمي الطاغي على جميع مفاصل الحياة واجهة للحلول في الدفع بمناحي الحراك الإبداعي فقد مثّل هذا الحضور بقعة ضوء تدلف بناء إلى إشراقة مسرحية مواكبة لهذه التحديات ليكون بديلا لنا جميعا للعودة إلى أبي الفنون بإبعاد رقمية وإن كانت لا تروي ضمأ تعطشنا لعناق الخشبة السمراء إلا أنها مثلت لنا احتضانا يبقينا على عناق ولو من بعيد بسيد الفنون، لقد وجدنا أن هناك العديد من الأنشطة والبرامج وحلقات العمل المسرحية المحلية والإقليمية وحتى العالمية أصبح لها حضورها عبر منصات التواصل الافتراضية وهذا عزز بقاء هذا التواصل الذي تطوُّر لدرجة أن بعض الجهات والفرق عمدت إلى أن تقيم مهرجانات مسرحية عبر هذه المنصات إلا أن اكتمال العناق شابه نقص؛ لكون النصف الآخر من الروح ما زال تائها باحثا عن عودة لقلب الخشبة.

ولا يخلو الأمر من الإيجابية وهنا يوضح إدريس النبهاني أن ثمة إيجابية وجب الإشادة بها، ألا وهي استغلال هذه المنصات وتوجيهها التوجيه الأمثل خدمة للمسرح حتى يكون مواكبا للتحوُّل الرقمي العالمي وإن كان هذا التوجه فرضته الحاجة علينا دون الاستعداد له لكنه رسّخ يقينا إلى ضرورة النظر في استغلال هذه التقنية في تطوُّر الصنعة المسرحية للمستقبل برسم أبعاد وتحوُّلات تكون داعمة للحراك المسرحي كنشر أوسع للثقافة ومد جسور التواصل مع المبدعين والمفكرين المسرحيين في جميع أنحاء العالم بكلفة لا تمثل أكثر من كبسة زر وهو مسار التنور المسرحي المستقبلي الذي وجب انتهاجه ضمانا لاستمرارية ألقنا الإبداعي وإيصاله للآخر. إلا أن الروح تبقى دائما تواقة لرائحة السمراء وعبق ضمائرها الصادقة وموسيقى صريرها الراقص طربا بأقدام المبدعين المخلصين الصداقين بعطائهم وإبداعهم.

للفنان عبدالله الغافري من فرقة شباب عبري المسرحية رأي واضح في هذا المسار ونحن لا نزال تحت وقع جائحة كورونا فهو يشير إلى أنّ التحوُّل الرقمي في ظل جائحة كورونا أمر حتمي لا مفر منه وإلا فإنَّ النشاط المسرحي سيتوقف تماما، ويؤكد بقوله: إنني أرى أنّه لن يكون هنالك أي تفاعل مباشر بين الممثل والمشاهد وسيفقد الممثل هذه المتعة التي لا يشعر بها إلا هو. وعن إمكان استغلال هذا التحوُّل الرقمي يوضح الغافري أنّ الإمكانات ولله الحمد مُتاحة والكثير من الفرق المسرحية تمتلك هذه القدرة على تجاوز هذه المسألة ويقول: نمتلك الكوادر المتعلّمة من الشباب العُماني في جميع المجالات القادرة على توظيف سُبُل التقنية بكل مهارة وإتقان. وفي شأن تجاوز الإشكاليات التي قد تحد من سير عمل هذا التحوُّل في خدمة المسرح يرى الغافري أنّ غرس الوعي لدى المجتمع والقائمين على واقع المسرح ضرورة حتمية، وعليه يجب توظيف المجال الإلكتروني الرقمي لتفعيل النشاط المسرحي والثقافي بشكل عام وتسهيل كل العقبات التي من المحتمل أن يواجهها المهتمون في نشاط المسرح من خلال إقامة بعض الندوات والمحاضرات في هذا السياق.

للفنان أحمد العويني المخرج والممثل المسرحي والمسؤول عن النشاط الثقافي بجامعة صحار رأي لا يبتعد عن رأيي النبهاني والغافري، وهنا يشير: التحوُّل الإلكتروني كان حاضرا ولكن في جوانب مساندة للمهرجانات المسرحية التي كانت تُقام على أرض الواقع كالإعلام والأرشفة والتوزيع، لكن اليوم أصبح الاعتماد على التقنية الرقمية بشكل أساس في طرح المهرجانات المسرحية بعمومها، ويأتي العويني بتجربة ناجحة في هذا الشأن ويقدّمها بقوله: سأضرب مثالا على ذلك في جامعة صحار إذ اعتمد في هذا العام الأكاديمي في تنظيم مهرجان جامعة صحار للمسرح في دورته التاسعة محليا والأولى عربيا وهو الأول من نوعه، وهي تجربة أولى جريئة حازت على رضا الشارع المسرحي في ظل الظروف الراهنة، حوى هذا المهرجان على كل جزئيات المهرجان الواقعي من العروض المسرحية والجلسات النقدية المسرحية ولقاءات وتكريم الشخصيات المكرّمة، وأجد أنّ هذه التجربة كانت ناجحة بشكل كبير حيث اعتمد هذا النجاح على وصولنا لشريحة أكبر من المسرحيين المتابعين في الوطن العربي، وشاهدنا أسماء كبيرة كنا في السابق لا نستطيع الوصول إليها، وتابعنا تجارب مسرحية عربية وخليجية ومحلية، وكانت المتابعة حقيقية لمجريات هذا المهرجان الافتراضي بشكل مستمر خلال أيامه الأربعة المتتالية، لكن في السياق ذاته لنا أن ندرك أن للمسرح خصوصيته المتمثلة في الحضور، ولن نقول إنّ هذا المهرجان اكتمل نسبة متكاملة لكن تبقى فكرة التقنية حلا مثاليا لاستمرار عجلة المسرح. ويشير العويني إلى أنّ مكانية استغلال التحوُّل الرقمي الإلكتروني في شأن المسرح بات متوفرا في ظل وجود الوسائل الرقمية المُتاحة، ففي مهرجان صحار المسرحي تم الاعتماد على شركة متخصصة للصفحات المهرجانية الافتراضية، واعتمدنا على حسابات مساندة في وسائل التواصل الاجتماعي، عّزز ذلك بوضع خطة محكَمة في الطرح والنشر والتصويت والأرشفة والمونتاج والبث والرفع وغيرها، كما أنّ مصادفة العقبات والمشكلات لهو أمر وارد، خاصة فيما يتعلق بالإنترنت. ويشير العويني: لقد واجهتنا عقبات أخرى تقنية لوجستية ولله الحمد تجاوزناها بشكل كبير في ظل التوسع الرقمي، ويجب أن نعترف أن ثمة مشكلات أخرى ظهرت على تجربة هذا المهرجان المسرحي بجامعة صحار خاصة في تصميم الصفحة العامة للمهرجان (الموقع الرسمي للمهرجان) ولكن سرعان ما تجاوزنا هذه الإشكالية فقد قمنا بتصميم صفحة احترافية دولية، استقبلت أكثر من ٥٠ ألف متابع من دول شتى.

لا يذهب الفنان خليفة الحراصي من فرقة هواة الخشبة كثيرا عمّا تحدّث من خلاله محبو المسرح في السلطنة في شأن نقل واقع المسرح في عُمان إلى واقع إلكتروني وتحوُّل رقمي وهنا يشير: لا يمكننا بالطبع أن نوجد تلك الحالة المسرحية العادية والاستثنائية المليئة بالنشوة من خلال المنصات الرقمية، ويستطرد قائلا: وهنا أود أن أنقل تجربة فرقة هواة الخشبة، فما فعلناه نحن في ظل هذه الظروف الاستثنائية هو بقاؤنا على الأمل، وأملنا نستمده من عملنا في شتى فنون المسرح، لذلك حاولنا استغلال التكنولوجيا في بث روح المعرفة الأكاديمية والحماس في نفوس الجميع بلا استثناء، بما أننا استطعنا أن نجمع عشاق المسرح من كل أرجاء الوطن العربي وبعض الدول الأخرى على مدى عرض جميع الورش الرقمية خلال الإغلاق، استطعنا بث المعرفة وتجديد الروابط بين الجميع بعد الانقطاع المفاجئ.

في الشأن ذاته تقول الفنانة علياء البلوشية: أنا كممثلة لم أشعر بإمكان استغلال المنصات الرقمية في عرض مسرحي؛ لأنه يفتقد لكل عناصر السحر المتعارف عليها، من خشبة مسرح وجمهور وسينوغراف مسرحي، ليكتمل معه توحد الفنان ويعطي كل ما عنده، مع العلم بأن هناك عرضا كتب خصيصا لي من قِبل الكاتب عبدالرزّاق الربيعي بعنوان "فيروسات صديقة"، وكانت الفكرة أن يتم عرضه على منصات الفرقة، ولكن روح الفنان بداخلي لم تتقبلها، ولم أجد نفسي أجسّدها مع وجود تلك الحواجز المميتة بيني وبين الجمهور، كيف يمكنني أن أنظر في عيونهم وأسمع تلك النبضات التي تشجّعني على الإبداع أكثر.

وهنا تشير الفنانة المسرحية بلقيس البلوشية إلى أنّ المتتبع لواقع الثقافة والفن في عُمان خصوصا والعالم أجمع عموما، يدرك ذلك الشلل التام الذي أصاب هذا القطاع الفكري الحيوي، والذي يعتمد في أساسه على الحضور الفعلي الملموس لكل فعالياته وأبجدياته المتعددة، وتضيف البلوشية: لو أردنا الحديث عن الواقع الفني المسرحي هنا في السلطنة على وجه الخصوص سنجد أن الأمر سيطول؛ فهناك الكثير من البرامج التي تم السماح بها وتواصلت أعمالها، إلا أبي الفنون لا تزال أبوابه مغلقة احترازيا، على الرغم من قناعتنا نحن كمشتغلين على المسرح أنه بالإمكان على سبيل المثال فتح أعماله وبصورة مقننة، وأتوقع أن التحوُّل الرقمي لواقع المسرح سيظلم الممثل المسرحي والعمل ككل. المسرح بحاجة إلى رؤية واضحة أهمها العصب الخاص به المتمثل في حضور جمهوره، فكيف لنا أن نصوّر مسرحية معنية وبثها تلفزيونيا مثلا أو حتى رقميا بدون جمهور، أتوقع أنه ثمة إشكالية ستقع هنا وهي التواصل المباشر بين الممثل وجمهوره المحفز الرئيس على العطاء، وأنا أرفض هذه الفكرة تماما، لا أعتقد إنني سأوافق أن أقدّم مسرحية مصوّرة بدون جمهور حقيقي أراه ويراني، فهناك تفاصيل مهمّة ستختفي ولن يكون لها أثر حقيقي، تلك التي تربط الحكاية بمَن حولها من متابعين. في المقابل لدي قناعة أن التحوُّل الرقمي في كل مناحي الحياة ضروري وأن العمل عن بُعد لها إسهامات كثيرة، سواء كان ذلك مرتبطا بعمل فني أو حتى وظيفي يومي، لا أستطيع أن أخفي قلقي الشديد بشأن تلاشي واقع المسرح في السلطنة، على الرغم من يقنيني أن كل أمر سيعود ولو بعد حين، دعني أقول إن هناك عددا من الدول حاولت استغلال هذه الجائحة بشكل إيجابي وبث مسرحيات بشكل مباشر على التلفاز، وهذا عزز واقع المسرح لديها. في المقابل أيضا لا ننكر أن هناك أعمالا ثقافية خرجت من واقع هذه الجائحة وتم بثها في وسائل التواصل الاجتماعي على سبيل المثال، لكنها لا تغني عن ذلك الحضور. فالتحوُّل الرقمي في شأن الفنون أمر لا بأس به ولكن في تصوُّري لن يحقق رغبة الفنان والجمهور في آن واحد.







شارك بهذه الصفحة :

اقرأ المزيد