• الإثنين : ٢٥ - مايو - ٢٠٢٠
  • الساعة الآن : ٠٩:٥١ صباحاً

 

 
 

في الثلث الأول من القرن العشرين الميلادي بدأ التحول من التعليم التلقيدي ( التعليم الذي يعتمد على فلسفة ومناهج ووسائل كانت سائدة في المجتمع العُماني قبل أن تدخل إليه نظم التعليم الحديثة) ، إلى التعليم الحديث في عُمان ؛ إذ أنشئت مدارس حكومية تدرس فيها مناهج محددة المحتوى من قبل معلمين معنيين في الدولة ، كما عُينت إدارات لتنظيم العملية التعليمية في هذه المدارس. ومن أشهر هذه المدارس المدرسة السلطانية الأولى التي بدأ التعليم فيها عام 1349هـ (1930م)، والمدرسة السلطانية الثانية التي حلت محل المدرسة السلطانية الأولى عام 1354هـ(1935م)، وهي أول مدرسة نظامية في عهد السلطان سعيد بن تيمور(حكم : 1350-1390هـ /1932 -1970م) تهتم بتدريس الذكور والإناث . وبإفتتاح المدرسة السعيدية بمسقط عام 1359هـ (1940م)،توقفت أنشطة المدارس السابقة (السلطانية الأولى والثانية)، وقد أسست المدرسة السعيدية لمرحلة جديدة من التعليم النظامي أكثر تطوراً.

وفي عام 1355هـ (1936م)افتتحت أول مدرسة للبنين بصلالة في محافظة ظفار، وكانت مكونة من ثلاث غرف ، ثم افتتح لها مبنى جديد موسع في عام 1370هـ (1951م) ، أما المدرسة السعيدية في مطرح فقد افتتحت في 1379هـ (1959م)، وقد احتوت في بداية إنشائها على صفوف التمهيدي ، والأول والثاني الابتدائيين ، توسعت لتشمل صفوفًا أخرى ، وقد تخرج الفوج الأول فيها عام 1383هـ (1963م)، ودرّس فيها معلمون عُمانيون وعرب.

في عهد جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيب الله ثراه - حظى التعليم باهتمام كبير فقد أعلن منذ توليه الحكم عن ذلك في خطاب له في 9 أغسطس 1970م قائلًا :" حيث إن بلادنا قد حرمت لمدة طويلة جداً من التعليم الذي هو أساس الكفاءة الإدارية والفنية ، ومن هنا تنشأ الحقيقة بأن تعليم شعبنا وتدريبه يجب أن يبدأ بأسرع وقت ممكن". وبهذا بدأ العمل على توفير التعليم وفق ضوابط وخطط مدروسة، والتركيز على جودة الخدمات التعليمية وكفاءتها.

تنطلق فلسفة التعليم في السلطنة وأهدافه من مصادر متعددة؛ منها : العقيدة الإسلامية ، والفكر السياسي لجلالة السلطان قابوس، والنظام الأساسي للدولة الذي حدّد عدداً من المبادئ الموجّهة لحركة التعليم وأهدافها في السلطنة كتلبية التعليم متطلبات خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، والعمل على إيجاد جيل قوي في بنيته وأخلاقة يعتز بأمته ووطنه وتراثه ويحافظ على منجزاته ، وتوفير التعليم العام والأساسي ومكافحة الأمية ، وتشجيع إنشاء المدارس والمعاهد الخاصة بإشراف الدولة. وتعد خصائص المجتمع العُماني مصدرًا رابعاً من مصادر اشتقاق الفلسفة والأهداف. ويهدف التعليم في عُمان إلى تحقيق جملة من الأهداف ، هي : تنمية شخصية الفرد من النواحي الجسمية والعقلية والروحية والنفسية والاجتماعية ، وتعزيز الهوية العُمانية ، والعمل على تحديث المجتمع ليتواكب مع التغيرات العالمية . والتشجيع على اكتساب مهارات التعلم الذاتي لتحقيق التربية الدائمة طوال حياة الأفراد، ودعم التنمية الاقتصادية والإعداد المهني ، وتنمية الشعور بالإنتماء للوطن ، وتعزيز أهمية الوحدة الوطنية والتفاهم والتسامح،وتحقيق التوازن بين حاجات التنمية والموارد الطبيعية.

برزت جهات الحكومة في مجال التعليم في عدد من المحاور هي : تحقيق التعليم للجميع في السلطنة ، فقد سعت الحكومة إلى تحقيق هذا المحور منذ بدء التعليم الحديث ، فوفرت التعليم المجاني من الصف الأول إلى الصف الثاني عشر. وقد سعت إلى بناء المدارس في السهل والجبل، إضافة إلى ذلك فإن الحكومة وفرت الكتب المدرسية والنقل بالمجان لجميع طلبة الصفوف من الأول إلى الثاني عشر ، مع توفير خدمات السكن الداخلي للطلاب الذين لا يتوافر لهم إمكان الحضور اليومي للمدرسة.

وفّر نظام التعليم في السلطنة أيضاً برامج محو الأمية وتعليم الكبار ، ومه هذا التوجه اتبعت الحكومة أسلوباً في محو أمية المتعلمين من خلال ما يعرف بالقرية المتعلمة ، وهو مشروع أوصت به الدول الأعضاء بمكتب التربية العربي لدول الخليج ، ويقصد بالقرية المتعلمة أن يشترك بهذا البرنامج جميع مواطني القرية ممن تجاوزت أعمارهم سن العاشرة ولا يستطيعون القراءة أو الكتابة أو إجراء العمليات الحسابيةالرئيسة، أو أولئك الذين لم يلتحقوا بأي مؤسسة تعليمية ، ويهدف المشروع أيضًا إلى زيادة الوعي الإجتماعي والاقتصادي بين المشاركين في البرنامج وإلى تعزيز روح التعاون بين أفراد المشروع أو المبادرة.

تركز الحكومة على كفاءة الخدمات التعليمية المقدمة وجودتها ، وذلك بالتركيز على مبدأئين هما : التنمية المعرفية للمتعلم وتعزيز قيم المجتمع واتجاهاته،مع ما يواكب ذلك من تنمية المهارات الإبداعية والمشاعر الوجدانية. ففي الخطة الخمسية الأولي(1976-1980م) ركزت سياسة التعليم على الاستمرار في التوسع في خدمات التعليم في جميع أنحاء السلطنة، وإنشاء مدارس دائمة مبنية بالمواد الثابتة لتحل محل المدارس المؤقتة التي بنيت من الخيام ، وإنشاء معاهد للمعلمين . وركزعلى الاستمرار في توسيع نطاق الخدمات التعليمية في الخطة الخمسية الثانية (1981-1985م)، وتزويد المدارس بالمتطلبات كالمختبرات والمكتبات ، وقد طورت معاهد تدريب المعلمين لتصبح كليات متوسطة تدرب المعلمين على مهنة التدريس،وتستقبل خريجي الثانوية للدراسة فيها عامين دراسيين . وفي الخطة الخمسية الثالثة (1986-1990م) رُكّزعلى تطوير جودة الخدمات المقدّمة،ووضع الخطط الخاصة بتنفيذبرنامج تعمين وظائف الهيئات التدريسية . وفي الخطة الخمسية الرابعة (1991-1995م)عُزز العمل في تعمين وظائف الهيئات التدريسية . وشملت الخطة الخمسية الخامسة (1996-2000م) إعدادا لمواكبة المتغيرات ، وتطبيق نظام التعليم الأساسي. ومن ضمن ما هدفت إليه الخطة الخمسية السادسة (2001-2005م) التقريب بين نوعية التعليم الأساسي والتعليم العام وتقليل الفجوة بينهما، وإدخال برنامج صعوبات التعلم وبرنامج الدعم،وتقييم تطبيق نظام التعليم الأساسي في الحلقة الأولى (الصفوف1-4). وتعد الخطة الخمسية السابعة (2006-2010م) امتدادا للخطط الخمسية السابقة ، إلا أنها تتميز عنها بكونها شهدت تنفيذأولى خطوات تطبيق التعليم ما بعالأساسي (الصفين11،12) إلى جانب التوسع في تطبيق التعليم الأساسي ، والاستمرار في تطوير الخدمات التعليمية المختلفة وتحسينها، وشملت إدخال المنهج التكاملي (المدمج) لصفوف الحلقة الأولى من التعليم (1-4).

يمكن تقسيم مراحل تطور التعليم الحديث إلى مرحلتين الأولى من عام 1970 إلى 1997م ، والأخرى ابتدأت منذ 1998م وما بعده. بدأ في المرحلة الأولى انتشار التعليم . فارتفع عدد المدراس  وعدد الطلاب واعدد المعلمين ، وفي هذه المرحلة تبنت السلطنة نظام التعليم القائم على تخصيص ست سنوات للمرحلة الإبتدائية ، وثلاث سنوات للمرحلة الإعدادية ، وثلاث سنوات للمرحلة الثانوية. بنيت المدارس في هذه المرحلة بالموةاد الثابة ، واستؤجرت مبانس في المناطق التي لم تُبن فيها مدارس، وتُوسّع في برامج محو الأمية وتعليم الكبار، ووفرت خدمات التربية الخاصة للأطفال ذور الحاجات التعليمية الخاصة. 

في منتصف سبعينات القرن العشرين الميلادي دخل التعليم في السلطنة مرحلة التخطيط العملي ، إذ بدأت الحكومة بإنشاء مدارس ومعاهد ذات طابع تخصصي مهني مثل : المعهد الزراعي الثانوي بنزوى والمدرسة التجارية بالسيب، وذلك من منطلق تنوع التعليم المقدم للطلبة. وشمل التخطيط أيضًا تحسين البناء المدرسي،وتوفير المرافق اللازمة كالمختبرات والمكتبات وحلقات النشاط وغيرها من المرافق التعليمية التي تسهم في الارتقاء بالعملية التعليمية.

أما المرحلة الثانية التي بدأت منذ1998م فقد جاءت استجابة لاستراتيجية الرؤية المستقبلية للاقتصاد العُماني (عمان 2020) فقد تبنت وزارة التربية والتعليم نظاماً جديدا للتعليم عرف بالتعليم الأساسي الذي يهدف إلى تحقيق الجودة في مخرجات التعليم بالسلطنة ؛ليكون الطالب الخريج قادراص على مواجهة تحديات التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية . ومن ملامح تطوير نظام التعليم في السلطنة إعادة تصميم المناهج ،وإعادة تأهيل الموارد البشرية وتطويرها ، وتدريس اللغة الإنجليزية في الصف الأول الإبتدائي، وتطوير نظام المتعلمين ، وزيادة دول اليوم والعام الدراسي.

حقق قطاع التعليم في السلطنة خطوات متوازنة آخذا بمعايير التطوير مع الحفاظ على الأصالة التي ينطلق منها في سياق الخطط المتخذة لتوفير الثقافة والمعلومات. وجاءت الخطوات متناسقة مع حرص حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- وتأكيده الدائم على أن التعليم هو الهدف الأسمى الذي تسخر له كل الجهود لإفساح المجال لأبنائنا للتزود بالعلم.

إن المتبع لحركة التعليم في السلطنة ليدرك مدى التقدم الملموس في المنظومة التربوية والتي تسعى من خلالها السلطنة إلى تمكين أبناء المجتمع العماني من مواصلة التقدم في المجالات العلمية والاقتصادية والثقافية والسياسية كافة في عصر يتسم بالعولمة والثورة المعرفية. من هذا المنطلق كان حرص السلطنة ولا يزال ينصب على الاهتمام بالتعليم وتوفير مختلف المهارات والمعارف للمساهمة في بناء الكوادر البشرية المؤهلة التي تلبي احتياجات مسيرة التنمية في البلاد حاضراً ومستقبلاً، حيث أولت الخطة الدراسية للتعليم الأساسي وما بعد الأساسي اهتماما أكبر عن ذي قبل للمواد العلمية والرياضيات وتدريس اللغات ، واستحداث مواد دراسية جديدة لمواكبة المستجدات في مجالي تكنولوجا المعلومات واحتياجات سوق العمل من المهارات المهنية . وكان لمشاركة القطاع الخاص في تقديم الخدمات التعليمية نتائج جيدة ، حيث ازدادت عدد المدارس الخاصة والدولية ، هذا بالإضافة إلى رياض الأطفال الخاصة ومدارس تحفيظ القرآن الكريم الخاصة المنتشرة في مختلف محافظات السلطنة.

واستمرار لعملية التطوير في جميع عناصر المنظومة التعليمية ، تأتي عملية تطوير نظام التقويم التربوي ، بهدف ضبط جودة تقويم تعلم الطلبة ، وذلك بصورة مستمرة مبنية على مؤشرات نتائج التحصيل الدراسي للطلبة في السلطنة ، وملاحظات الحقل التربوي ، جنبا إلى جنب مع آخر مستجدات الدراسات الدولية المعنية بالتقويم التربوي . ووثائق تقويم تعلم الطلبة للمواد الدراسية بجميع المراحل وذلك بمشاركة كافة التربويين المعنيين في الحقل التربوي. ومن المشاريع والبرامج التطويرية الأخرى في عملية التقويم التربوي التصحيح الالكتروني لامتحانات دبلوم التعليم العام ، واستحداث اختبارات تشخيصية سنوية للوقوف على نقاط الضعف لدى الطالب ومعالجتها ، من أجل الحصول على مؤشرات أكثر صدقاً حول مستوى أداء الطلبة.

لم يكن الطلبة الذين هم بحاجة إلى برامج تعليمية خاصة بمنأى عن مسيرة التطوير التربوي فقد واكبت السلطنة التوجه العالمي نحو دمج ذوي الإعاقة وقامت بفتح فصول ملحقة بالمدارس لذوي الإعاقة (السمعية والعقلية) ، وذلك لتسير نموهم الاجتماعي والتربوي مع أقرانهم من بقية الطلبة إلى جانب تحسين اتجاهات أقرانهم ومعلميهم ومجتمعهم نحو كيفية التعامل معهم. وفيما يتعلق بمحو الأمية تبين المؤشرات التربوية انخفاض نسبة الأمية في السلطنة إلى (3،5%) في الفئة العمرية (15-44) سنة ، وقد جاء هذا الإنجاز نتيجة للجهود المبذولة في رفع معدلات الالتحاق بالتعليم والتي وصلت إلى أكثر من (98%) ، مما أدى إلى سد منابع الأمية ، هذا بالإضافة إلى مشاريع القرى المتعلمة ، وجنوب الباطنة بلا أمية ، والمدارس المتعاونة ، وغيرها من المشاريع والبرامج الداعمة التي ساهمت في انتشار مراكز محو الأمية في مختلف محافظات السلطنة.

ونظرا لأهمية تعليم الطفولة المبكرة في إرساء أساس جيد للتعلم ، ومساهمته في إعداد الأطفال للمدرسة ، فقد أولت وزارة التربية والتعليم اهتماما كبيرا بالتعليم قبل المدرسي ، وعملت على رفع نسبة الالتحاق فيه من خلال تشجيع إسهام القطاع الخاص في توفير هذه الخدمة ، وهذا مؤشر إيجابي يتيح لأولياء الأمور إلحاق أبنائهم برياض الأطفال. ونظرا لأن خدمات التعليم قبل المدرسي تتركز في المدن الرئيسية بصفة عامة ، فقد عمدت وزارة التربية والتعليم إلى فتح صفوف للتهيئة ضمن مدارس الحلقة الأولى (1-4) في جميع محافظات السلطنة ، ويتفاوت عددها حسب حاجة المحافظة لها.




شارك بهذه الصفحة :