• الأحد : ٢٥ - أكتوبر - ٢٠٢٠
  • الساعة الآن : ٠٥:٢٣ مساءً
وكيل ادعاء عام أول / جابر بن سعيد العلوي أولًا ـ موجز البلاغ:
بتاريخ 20 /6 /2008م، تلقى مركز الشرطة المختص مكانيًا بلاغًا من والد الطفل (المجني عليه)، البالغ من العمر (17) عامًا، مُفيدًا في بلاغه عن تعرُّض ابنه لاعتداء جنسيٍّ من قِبل أحد معلمي المدرسة التي يدرس فيها؛ مُوضِّحًا تفصيلات البلاغ بالقول: أن التحرُّش بابنه بدأ قبل البلاغ بردحٍ من الزمن، حيث اتصل الجاني (المعلم) ذاتَ يومٍ بابنه (الطفل المجني عليه)، في وقت انتهاء اليوم الدراسي، حدود الثالثة عصرًا، فعرض عليه إيصاله إلى منزله، فوافق ابنه على العرض وركب معه.
وفي الطريق غيَّر الجاني وجهته إلى منطقةٍ أخرى، مُوهمًا الضحية أنه سيعمد إلى نسخ بعض الأوراق التدريسية في تلك المنطقة، وبوصولهما إلى المكان أدخله معه إلى أحد المباني، وما أن أنفرد به، حتى وأجبره على خلع ملابسه، تحت وطأة التهديد بالإيذاء، فواقعه جنسيًا، ومن ثم وصَّله إلى منزله، بعد أن هدَّده بالقتل إن هو أبلغ أحدًا بما حدث بينهما؛ كما وكرّر الفعل ذاته بعد يومين، وفي المكان عينه؛ وفي المحاولة الثالثة، استجمع الطفل شجاعته، ورفض مرافقته بشدة؛ بل وأبلغ والده بتفصيلات ما حدث من المعلم.
ثانيًا ـ إجراءات جمع الاستدلالات:
في ضوء البلاغ، باشر المركز المختص مكانيًا إجراءات جمع الاستدلالات، كان من ضمن ذلك الاستماع إلى إفادة الطفل المجني عليه، التي جاءت متفقةً، من حيث المضمون، وما ورد في البلاغ.
وبسؤال المتهم استدلالا، أقر بما نُسب إليه من اتهام، مؤكّدًا على وجود علاقة صداقة بينهما، وفي يوم الواقعة اكتفى بالتحرش به جنسيًا فقط دون أنْ يُتِّم المُمارسة الجنسية به.

كما وأرشد المتهم مأموري الضبط القضائي إلى المكان الذي أخذ المجني عليه إليه (مسرح الجريمة)، موضحًا كيفية قيامه بفعلته النكراء بالمجني عليه.

تم ضبط هاتف المتهم وإحالته مع ملف الدعوى إلى الادِّعاء العام المختص مكانيًا.
ثالثًا ـ تحقيقات الادعاء العام:
أُحيل المتهم محبوسًا إلى الادِّعاء العام وباستجوابه، اعترف تفصيلًا بالتحرُّش الجنسي بالطفل (المجني عليه)، كما أقرَّ بأنه أرشد، بمحضِ إرادته، مأموري الضبط القضائي إلى مسرح الجريمة، وشرح لهم كيفية ارتكابه للفعل.

بتفتيش هاتف المتهم بحضوره، والاطلاع على محادثات برنامج الدردشة (الواتساب)، تبين وجود محادثة بينه والمجني عليه، تؤكّد دعوته لهذا الأخير إلى مرافقته لذات المكان الذي ارتكب فيه جريمته، الأمر الذي يُعزز من صحة الاتهام المنسوب إليه.
رابعًا ـ التصرف في التحقيقات:
أحال الادِّعاء العام المتهم إلى محكمة الجنايات، وطالب معاقبته بجناية (التحرش الجنسي بطفل) المؤثمة بالمادة (72 بدلالة المادة (56/ب) من قانون الطفل، التي تنص على إنه: “يعاقب بالسّجن مدة لا تقل عن خمس سنوات ولا تزيد على خمس عشرة سنة، وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف ريال عُماني ولا تزيد على عشرة آلاف ريال عُماني، كلّ من ارتكب فعلًا من الأفعال المحظورة المنصوص عليها في المادتين (55، 56) من هذا القانون.

وتنص المادة (56) من القانون ذاته على:(يحظر على أيّ شخص ارتكاب أيّ من الأفعال الآتية: أ …، ب ـ اغتصاب طفل أو هتك عرضه أو التحرش به جنسيًا .
.
).
خامسًا ـ حكم محكمة الجنايات:
أخذت القضية وقتًا كافيًا من البحث والتنقيب من قبل المحكمة، حيث تداولت في أكثر من جلسةٍ علنية، تمت خلالها مواجهته بالجناية المنسوبة إليه، وبجميع الأدلة القائمة ضدّه، وحضر مع المتهم مُحامٍ للدفاع عنه، عملًا بالضمانات التي أقرّها المشرع في النظام الأساسي للدولة، وفي قانون الإجراءات الجزائية.

وبالجلسة العلنية المنعقدة في يوم الاثنين، الموافق 25 /11 /2018م، قررت محكمة الجنايات بإدانة المُتهم بما هو منسوبٌ إليه، وقضت بسجنه لمدة سبع سنوات، والغرامة خمسة آلاف ريال عُماني، ومدنيًا بإثبات تنازل ولي المجني عليه عن أية مطالبات مدنية.
سادسًا ـ الكلمة الختامية:
أخيرًا، وليس آخرًا، يسترعي الادِّعاء العام انتباه الجمهور الكريم إلى حقيقةٍ مأساويَّةٍ مُؤلمة، مَفادها أن التحرُّش الجنسيّ ضد الأطفال، للأسف الشديد، هي ظاهرة مُنتشرة، ليس في السَّلطنة فحسب، وإنما في كثيرٍ من دول العالم؛ وما هذه الواقعات القليلة التي تتكشف لنا، بين فينةٍ وأُخرى، إلا ما يمكن أن نُشبِّهها بتلك الأجزاء البسيطة الظاهرة من الجبال الجليدية الضَّخمة، العائمة فوق أسطح المحيطات، وتتجمَّع تحتها، وإلى أعماقٍ غائرة، الكثير والكثير من الواقعات التي لم تصل إلى علمنا بعد، وربما إلى علمكم أيضًا لأسبابٍ كثيرة، منها، اختيار الطفل التكتُّم، لوقوعه تحت وطأة التهديد بالإيذاء وأحيانًا بالقتل من قبل المعتدي، كما حدث في القضيةِ الماثلة؛ وأحيانًا، اختيار أولياء الأمور التكتم، درءًا لما يرونه خطأً فضيحة في حقهم.
ننتهز هذه السّانحة لنؤكّد لأولياء الأمور بضرورة مُتابعة فلذاتِ أكبادهم، ومراقبة تصرفاتهم؛ بل وتلقينهم بعضًا من أبجديّات الثقافة الجنسية اللازمة لحمايتهم من الوقوع في شباك أولئك الذين يُطلق عليهم بـ(البيدوفيليا)، أو المرضى النفسانيين الذين يميلون إلى حب الأطفال، والرغبة في مواقعتهم جنسيًا.
فمراقبة تحركات الأطفال، والوقوف على أخلاقيات من يُرافقونهم ويُزاملونهم، يُعد من ألزم اللزوميات لحمايتهم من الاعتداءات والتحرشات الجنسية.
وإذا ما وقع مثل هذه الاعتداءات، فلا ينبغي تحت أيّ وطأة قبول التسامح، أو التسوية إذ في ذلك تشجيع لهؤلاء المعتدين في التمادي في مسلكهم العدواني.
وعندما نقول إننا أمام ظاهرة جرمية مُنتشرة، نجد أنفسنا مضطرين إلى غمسِ القلم في مِدادِ الواقعية، لنبرز لكم، بلغةِ الأرقام، حجم المشكلة؛ أو بالأحرى، الحجم الظاهر فقط من المشكلة.

فلقد سجَّلت إحصاءات لجانِ حمايةِ الطفل، التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية، لعام 2019م، لمختلف محافظات السَّلطنة، (158) حالة اعتداء جنسي، أما البلاغات الواردة عبر الخط الساخن لحماية الطفل، للسنة نفسها 2019م، ومن مختلف المحافظات، بلغت (53) بلاغًا.
هذه الأخيرة يتم التعامل معها بمعرفة دائرة الحماية الأسرية، قسم متابعة آليات الحماية.
وبمقارنة هذه الاحصائية، بتلك التي قُيّدت في الأعوام (2016 – 2018)، نجد أن إحصاءات حماية الطفل لعام 2016م، سجلت (72) حالة، ولم يكن قد تم تدشين الخط الساخن بعد؛ بينما في عام 2017م، سجلت إحصائية اللجان (95) حالة، بينما الخط الساخن سجَّل (34) حالة؛ وفي عام 2018م، سجلت اللجان (193) حالة، والخط الساخن (73) حالة.
هكذا، كما ترون، مؤشر الحالات المكتشفة في ارتفاع غير مُريح.
يُذكر، في هذا الصَّدد،أن الإحصاءات سجلت أيضًا أنواعًا أُخرى من الإساءات، لسنا بصدد تسليط الضوء عليها في الموضوع الماثل، وهي: الإساءات الجسدية، والنفسية، والإهمال.

نشير أخيرًا إلى أنه من الأهمية بمكان إبلاغ الإدارة العامة للحماية الأسرية عن أيّ اعتداء جنسي يقع على الأطفال، وذلك لأجل إخضاعهم لبرامج من التأهيل العلاجي، والنفسي؛ وذلك، حمايةً لهم من التَّبِعات النفسية، التي عادةً ما تحدث لهم، عندما يكبرون، وفق ما تُؤكّده جملة من الدراسات؛ ومن تلك التّبعات، ميلهم إلى التصرفات غير السوية اجتماعيًا، كتعاطي المسكرات والمخدرات؛ بل، وميلهم إلى العنف الجنسي، بما في ذلك ضد الأطفال.
فالطفل الذي لا يتلقى برنامجًا خاصًا في التأهيل النفسي، عقب تعرّضه للاعتداء الجنسي؛ يكون مُرشَّحًا لتحوّله إلى مجرمًا بيدوفايليًا (يميل لمواقعة الأطفال جنسيًا) في المستقبل.
ختامًا، نسترعي الانتباه إلى أن الجهة المسؤولة في وزارة التنمية الاجتماعية، تعمل مشكورةً على إيداع الطفل الضحية في دار لحماية الأطفال، أو تسليمه لأسرة بديلة، حال ما إذا كان الجاني من أحد أفراد الأسرة، كالأب أو أحد الأخوان.
أخيرًا، فإن رقم الخط السَّاخن هو (1100)، فلا تتردَّدوا في الإبلاغ عن أيِّ حالة تحرش بالأطفال؛ ولنتبنى جميعًا شعار:(طفولة بلا تحرُّش جنسي).
✱ نقّح القضية، وراجعها للنشر الصحفي مُساعد المدَّعي العام/ ناصر بن عبدالله الريامي.

✱ القضية الماثلة سبق وأن نُشرت في العدد (17) من مجلة (المجتمع والقانون).






شارك بهذه الصفحة :

اقرأ المزيد