• الأحد : ٢٥ - أكتوبر - ٢٠٢٠
  • الساعة الآن : ٠٥:٠٠ مساءً
أحمد بن سعيد البوسعيدي ( حكم حوالي: 1162 – 1189هـ / 1749 – 1783 م)إمام ومؤسس الدولة البوسعيدية

أحمد بن سعيد بن أحمد البوسعيدي ، إمام وقائد عسكري ومؤسس الدولة البوسعيدية ، ولد في حي الجامع بولاية أدم بتاريخ 25 رجب 1105هـ (20 مارس 1694م ) ، بدأ حياته راعيا للإبل ثم اشتغل بالتجارة . دخل الحياة السياسية في عام 1147هـ ( 1734م ) بانظمامه إلى الإمام سيف بن سلطان الثاني اليعربي الذي بعثه في مهمة إلى الإحساء ، وعينه بعد عودته مستشارا له في عام 1149 هـ (1736م) ، وتولى في عام 1150هـ (1737م) إدارة ميناء صحار، ثم عينه واليا عليها ، واكتسب قبولاً كبيراً من الناس أثناء ولايته على صحار ، وذلك لما أشاعه من الأمن والعدل في المدينة ، مما أدى إلى تخوف سيف بن سلطان الثاني من أن يستقل عنه بحكم مدينة صحار، فأراد التخلص منه ، واستدعاه إلى مسقط ، غير أن أحمد التقى في طريقه برزيق بن بخيت النخلي، وكان عاملاً لدى الإمام،  فحذره ، فعاد إلى صحار، فعلم الإمام سيف بما قام به رزيق فسجنه ثلاثة أشهر، واتجه بقواته إلى صحار، وعندما وصل الإمام إليها قابله أهلها ، فوصفوا له أحمد بن سعيد بالإخلاص والطاعة ، وبعث أحمد ابنه الأكبر هلال إلى الإمام ليدلل على طاعته ، فعاد الإمام إلى مسقط وبرفقته هلال ، ثم أعاده إلى أبيه بعد بضعة أشهر.

استبقى الإمام سلطان بن مرشد اليعربي - الذي بويع بالإمامة في 9 ذي الحجة 1154(15 فبراير 1742م) بعد عزل الإمام سيف بن سلطان الثاني - أحمد بن سعيد واليا على صحار، واستعان الإمام سيف بن سلطان الثاني بالفرس بعد عزله من الإمامة فحاصروا صحار، وساند الإمام سلطان بن مرشد واليه على صحار أحمد بن سعيد بفك الحصار عنها، غير أنه قتل في عام 1157هـ (1744م) أثناء دفاعه عن المدينة ، فبويع بلعرب بن حمير اليعربي إماما في ۲۰ ربيع الثاني 1157هـ (2 يونيو 1744م). وقد تصدي أحمد بن سعيد للحصار ونجح في إرغام الفرس على عقد صلح وفك الحصار عن صحار، وتضمنت بنود الصلح انسحاب القوات الفارسية من صحار مقابل أن يدفع لهم أحمد بن سعيد مبلغا ماليا سنويا، على أن تبقى حامية فارسية في مسقط، ويعترف تقي خان بأحمد بن سعيد حاكما على صحار وبركاء.

واستعمل استعمل أحمد بن سعيد أسلوب الحصار الاقتصادي فتعمد إهمال دفع الجزية المتفق عليها، وأبقى جنود الحامية الفارسية بدون رواتب أو إمدادات، وأعفى عن السفن التجارية المتوقفة في ميناء بركاء من الضرائب الجمركية، مما أغرى السفن بالتوقف فيها بدلا من مسقط، فساعد على تدهور أوضاع الحامية الفارسية ونفاذ ذخيرتها، وانتشار السخط بين جنودها لعدم استلامهم رواتبهم، فوجد أحمد بن سعيد الفرصة سانحة أمامه لطرد الفرس من عُمان، فتقدم إلى مسقط على رأس قوة عسكرية في عام 1157هـ (1744م) وتمكن من طردهم منها، وتتبعهم حتى بندر عباس، مما أدى إلى تنامي رضى الناس عنه بين أوساط القبائل العُمانية التي بايعته ليكون إماماً على عُمان.

اختلفت المصادر في تحديد السنة التي تولى فيها أحمد بن سعيد إمامة عُمان ، فبينما يرى البعض بأنه تولى الإمامة في عام  1157هـ ( 1744م ) على اعتبار انتصاره على الفرس في ذلك العام وتوقيعه معاهدة الصلح معهم ، يرى آخرون بأن عام  1162هـ ( 1749م ) هو العام الذي بويع فيه بالإمامة ، على اعتبار قيام شيوخ بني غافر بسجن الإمام بلعرب بن حمير اليعربي وبالتالي مبايعة أحمد بن سعيد بالإمامة ، بينما حدد عبدالله بن حميد السالمي في كتابه "تحفة الأعيان" عام  1167هـ ( 1753م) تاريخا لبيعة أحمد بن سعيد ، على اعتبار العام الذي وقعت فيه معركة فرق التي انتصر فيها أحمد بن سعيد وقتل بلعرب بن حمير، وقدر وندل فيليبس في كتابه" تاريخ عُمان " أن بيعته كانت بين عامي  1153 و 1162هـ ( 1741 – 1749م) ، والأرجح أن أحمد بن سعيد تولى الإمامة في 22 من جمادى الأخرى 1162هـ ( 9 أغسطس 1749م ) عندما انتهى حكم الإمام بلعرب بن حمير نهائيا، فأصبح أحمد بن سعيد هو الحاكم الأوحد في عُمان بعد أن بايعه علماء عُمان رسميا في ذلك التاريخ.

اتخذ الإمام أحمد الرستاق عاصمة لحكمه ، ثم سيطر على سمائل وإزكي ونزوى وبهلاء ، وقبض على حصونها ، وأعاد تعمير مسقط ومطرح بعد التدمير الذي لحق بهما من جراء الغزو الفارسي ، ثم أتاه محمد بن سليمان اليعربي الذي كان واليا للإمام سلطان بن مرشد على سمد الشأن فسلمه حصنها فولاه على نخل. وواجه الإمام أحمد بن سعيد بعد نجاحه في توحيد عُمان وتحريرها من السيطرة الفارسية اضطرابات داخلية ، كان أهمها محاولة اليعاربة استعادة الحكم ، فتوجه بلعرب بن حمير الذي خلع من الإمامة في عام 1162هـ / 1749م ومن سانده من القبائل الغافرية القاطنة بالظاهرة إلى نزوى رغبة في استعادته الإمامة ، ووقعت معركة بين الطرفين في فرق بتاريخ 13 صفر 1167هـ ( 8 ديسمبر 1753م) ،  انتصر فيها الإمام أحمد وقتل بلعرب بن حمير وبعض شيوخ القبائل ،  ثم تحسنت العلاقة بينه وبين اليعاربة ، فتزوج ابنة الإمام سيف بن سلطان الثاني اليعربي،  وأنجبت له ابنه محمد . واستمرت الغافرية في معارضة الإمام أحمد بن سعيد حتى تمكنوا من هزيمة جيشه في سيح الطيب عام 1184هـ (1771م) ، ثم صالحهم الإمام بعد أن ضمن ولاءهم وصاهر ناصر بن محمد الغافري .

تمرد على الإمام أحمد ولداه سيف وسلطان في أواخر سبعينيات القرن الثامن عشر الميلادي بالتعاون مع محمد بن سليمان اليعربي والي نخل ، الذي أرسل لهما 100 رجل من أهل نخل بقيادة خنجر بن سعود ، فساعدوهما في السيطرة حصن النعمان ببركاء ، وعندما علم الإمام ذهب إلى الحصن وضربه بالمدافع ، فتدخل قضاة الرستاق بين الإمام وولديه وعقد صلح بينهم ، وحاصر الإمام حصن نخل تأديباً لواليها على مساعدته ولديه على تمردهما ، وعقد الصلح بينهما وعاهده ألا يخونه مرة أخرى.

كرر سيف وسلطان ابنا الإمام أحمد تمردهما على والدهما مرة أخرى في صفر 1195هـ(فبراير 1871م) ، وسيطرا على قلعتي الجلالي والميراني في مسقط ، فقام مشايخ القبائل بعقد صلح بين الإمام ووالديه ، غير أنهما عاد وتمردا على أبيهما مرة ثالثة في ذي الحجة 1195هـ(ديسمبر1871م) ، فخطفا أخاهما سعيد ، واحتجزاه في قلعة الجلالي ، وذلك لما حظي به سعيد من الرعاية والاهتمام من قبل والدهم ، غضب الإمام أحمد على ما فعله ولداه ، فتوجه إلى مسقط لمحاربتهم ، في تلك الأثناء هاجم صقر بن رحمه القاسمي شيخ جلفار(رأس الخيمة) الرستاق بمساعدة جبر بن محمد الجبري خال سيف وسلطان ابني الإمام أحمد، مما دفع بالإمام وولديه إلى تسويه خلافاتهم لتخوفهم من سيطرة صقر القاسمي على الرستاق، وبالتالي ينهار حكمهم ، فأصدر عفوه عن والديه ، وتوجه إلى الرستاق للدفاع عنها ، غير أن القاسمي انسحب من الرستاق وعاد إلى بلاده فور سماعه بخبر الصلح. وعلى الرغم من الصراع بين الإمام أحمد والقواسم إلا أنه قد تخلله تعاون بين الطرفين كما حصل في عام 1185هـ ( 1772م) حيث تحالف الإمام مع القواسم  لمواجهة القوات الفارسية بقيادة كريم خان ، وتعاون الإمام مع القواسم أيضاً عام 1186هـ (1773م) على مهاجمة ميناء بندر عباس ، وتمكنوا من تحطيم عدد من السفن الفارسية ومستودع عسكري للذخيرة كان قد شيده الفرس في ميناء لنجة .

 قام الإمام أحمد بنجدة البصرة من الغزو الفارسي عام 1189هـ (1775م)، استجابة لطلب ثامر بن عبد الله السعدون زعيم قبائل المنتفق في البصرة، فأرسل الإمام حملة عسكرية بحرية في مقدمتها سفينته الرحماني بقيادة ابنه هلال، فنجحت في فك الحصار عن البصرة، مما أدى إلى تقوية العلاقات بين الإمام أحمد والسلطان العثماني عبد الحميد الأول ( حكم : 1187-1203هـ / 1773-1789م) الذي خصص مكافأة سنوية للإمام ظلت تدفع حتى عهد السيد سعيد بن سلطان (حكم :1219-1273هـ/ 1804-1856م) ، كما سمح للتجار العُمانيين بالمتاجرة في العراق، وأمر برفع الرسوم التي كانت تفرض على تجارة البن، مما أدى إلى ازدهار التجارة العُمانية في البصرة، حيث وصل عدد السفن العُمانية التي كانت ترتاد البصرة سنويا إلى ما يقارب الخمسين سفينة، وعادت الرحلات السنوية لأسطول البن العُماني للبصرة.

اهتم الإمام أحمد بن سعيد بعد تحقيقه وحدة عُمان الداخلية بالعمل على استتباب الأمن والنظام فيها فعين الولاة في المناطق ، ووطد مركز الدولة في المقاطعات،  وكان الإمام يشرف بنفسه على شؤون الولاة ويتابع سير أعمالهم ومدى اهتمامهم بشؤون الناس . كما عمل الإمام أحمد على نشر الأمن وحفظ النظام في عُمان ، وأنشأ شرطة من العُمانيين والأفارقة ، كما أنشأ قوة برية أشرف بنفسه على تنظيمها وتسليحها ، تألفت من البلوش والزدجال ، وأعاد إعمار القلاع والحصون والأبراج لتعزيز التحصينت العسكرية ، كما اهتم بالأسطول الحربي الذي دافع عن السواحل العُمانية وحماية طرق التجارة من القرصنة.

نتج عن الأمن والإستقرار في عُمان خلال عهد الإمام أحمد بن سعيد ازدهار الموانئ العُمانية ؛ خاصة ميناء مسقط ، فهجر التجار؛ خاصة الأوربيين ميناء بندر عباس، وتوجهوا إلى مسقط بسبب مرافئها الآمنة وحاكمها الذي منح الجرية للتجار في ممارسة أعمالهم التجارية وشعائرهم الدينية ، واستغل الإمام أحمد بن سعيد السفن الحربية في حالة السلم لنقل التجارة فكانت تنقل بضائع من موانئ عُمان ، كموانئ مسقط ومطرح وصور ،  إلى موانئ آسيا وإفريقيا ، وعرفت مسقط بتجارة العبور؛  حيث تعيد السفن العُمانية تصدير البضائع التي تجلبها السفن إلى ميناء مسقط مثل : البن الذي كان يأتي من الحبشة واليمن ، فتنقله السفن العُمانية إلى البصرة، مما أدى إلى زيادة دخل الدولة من الرسوم الجمركية التي قدرت في عام 1178هـ (1765م) بمائة ألف روبية. 

كما اهتم الإمام أحمد بن سعيد كذلك بالزراعة والإقتصاد ، فوسع الأفلاج ، وشجع زراعة المحاصيل ، وأوجد وظائف مالية مثل : جابي الضرائب ؛ لتحصيل الرسوم من الأراضي ورؤوس الحيوانات ، وقابض العشور؛ لتحصيل الرسوم من التجارة في الموانئ ، والوكيل ؛ لتحصيل الرسوم من السفن في الميناء ، وقلم الحساب ؛ لتدقيق السجلات المالية وحسابات العشور والرسوم على البضائع والسفن في الميناء. توفي الإمام أحمد بن سعيد بالرستاق يوم الإثنين 19 محرم 1198هـ (14 ديسمبر 1783م) ، ودفن في محلة بيت القرن قريبا من قلعة الرستاق.

سعيد بن أحمد البوسعيدي ( ت : 1225هـ / 1810م )إمام وشاعر

بويع بالإمامة بعد وفاة والده الإمام أحمد بن سعيد في الرستاق في عام 1198هـ ( 1783م ) ، ولكن هذه البيعة لم يقرها بعض زعماء القباىل ، فحاولوا أكثر من مرة عزله وتنصيب أخيه قيس بن أحمد في اجتماعين أولهما في المصنعة ، والآخر في نخل ، ولكنهم فشلوا في أن يحظوا بموافقة الإمام سعيد بالتنازل عن إمامته ، وكان أكثر المعارضين له أخواه سلطان وسيف ، وكانت معارضتهما منذ عهد والدهما عندما كان سعيد واليًا على بركاء. وقد وصفه حميد بن محمد بن رزيق في كتابه الفتح المبين بقوله : "كان الإمام سعيد هذا شجاعاً شهيراً فصيح اللسان ناظماً للشعر ، عارفا بمعانيه وبيانه ، مميزا بين الشعر البذئ والشعر الحسن ، واذا تحدث لا يُمل من حديثه إذ أكثره حكم" .

إتخذ الإمام سعيد الرستاق عاصمة له . وبنى فيها حصن المنصور في عام 1220 هـ ( 1805م ) ، وعندما شعر بإختلاف القبائل عليه ، أشرك إبنه حمد بن سعيد معه في إدارة دولته ، فعينه نائبا عنه في مسقط، وسلك حمد سلوكاً حميدا فأكرم أهل عٌمان ، وقرب أهل العلم والورع ، فأحبه أهل عُمان ، ووصفه ابن رزيق بأنه "داهية من دواهي العرب"، لهذا وفد إليه أهل عُمان ، وأصبحت مسقط عاصمة اقتصادية لعُمان ، وهُجرت الرستاق ، ولكن السيد حمد بن سعيد توفي في عام 1206هـ(1791م) بعد سته أعوام من نيابته ، فاستغل السيد سلطان بن الإمام أحمد (حكم : 1206-1219هـ / 1792-1804م) الموقف ، فانتزع مسقط من أخيه الإمام بعد حروب شارك فيها السيد قيس بن الإمام أحمد والي صحار بجانب أخيه الإمام ، وبذلك انفصلت مسقط عن تبعيتها لمدينة الرستاق.

تولى الإمام سعيد ولاية نزوى في عهد أبيه ، ثم نقله إلى بركاء ، وكان شاعراً ، وبقى الإمام سعيد بالرستاق إمامًا حتى وفاته في عام 1225هـ(1810م).

حمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد البوسعيدي ( ت : 1206 هـ /1792م )والٍ وسياسي

ولاه والده الإمام سعيد بن أحمد (حكم : 1198-1225هـ / 1783-1810م) نائبا عنه في مسقط بين عامي 1199و1206 هـ ( 1784 – 1792م ) ، بينما كان الإمام سعيد في الرستاق . وقد أقام السيد حمد في مسقط وأصبح الحاكم الفعلي لعُمان ، ولكنه لم يتلقب بلقب الإمام الذي إحتفظ به والده حتى وفاته وأكتفى بلقب السيد . وسلك حمد سلوكا حميدا فأكرمه أهل عُمان ، وقرب أهل العلم والورع ، وصفه ابن رزيق (ت:1292هـ /1874م) في كتابه "الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيدين" بأنه "داهية من دواهي العرب"، لهذا وفد إليه أهل عُمان.ووصفه سالم بن حمود السيابي في كتابه "عُمان عبر التاريخ " بأنه كان " رجلا مهابا وله همه عالية في أولاد الإمام للقيام بأمر الملك ورعاية الأمة ، ولذلك أحبه الناس". ومن النوازل التي حلت بعُمان في عهده قحط شديد ، ثم نزلت الأمطار وعم الخصب بها.

من أعماله : بناء برج على البحر عند المدخل الى ميناء مسقط ، وتزويده بمدافع كبيرة رغبة منه في تحصين مسقط ، وبناء قلعة بيت الفلج في روي وقلعة أخرى في بركاء ، وأمر بصنع باخرة في زنجبار باسم الرحماني التي اشتهر أمرها في عهد الإمام أحمد بن سعيد . وقد حدثت بعض المنافسات السياسية من قبل عميه سيف وسلطان ، فقد لجأ سيف إلى ساحل إفريقيا الشرقي ، فتبعه حمد الى لامو ولكن سيف مات هناك فعاد حمد إلى عُمان.  أما عمه سلطان فقد أجبر على الفرار إلى جوادر على ساحل مكران حيث أخذ يشن حروبه على حمد من هناك.

في عام 1206هـ (1792م) جمع حمد عساكر كثيرة من عُمان ولم يخبر أحدا عن وجهته التي يريدها ، فظن عمه قيس بن أحمد بن سعيد أنه يريد حرب صحار ، وظن آخرون أنه سيتوجه إلى الرستاق لإخراج أبيه من حصنها ، وظن فريق ثالث أنه يريد ممباسا . توجه السيد حمد إلى بركاء ، وحينما بلغ سيح الحرامل ، اشتكى الحمى فلم يقدر على المسير فعاد إلى مسقط وظهر بجسده الجدري فكتب إلى أبيه سعيد يخبره بالمجئ إليه إلى مسقط فلما وصل أبوه وجده يعاني شدة المرض ، وبعد ثلاثة أيام من هذا الحدث توفي في 8 رجب 1206هـ ( 2 مارس 1792م ) ودفن في مسقط.

سلطان بن أحمد البوسعيدي ( حكم : 1206ـ 1219هـ / 1791 ـ 1804م )حاكم

ولد في الرستاق أمه أخت محمد بن ناصر الجبري ، نشأ في أدم حيث قضى طفولته هناك ، ووصل الى السلطة في عمان بعد وفاة ابن أخيه السيد حمد بن سعيد عام 1206 هـ ( 1792م ) . حاول السيد سلطان بمساعدة أخيه سيف الوصول إلى السلطة في أواخر أيام أبيه الإمام أحمد بن سعيد ، وقاد التمرد على أبيه ثلاث مرات ولكن محاولاته باءت بالفشل. وبعد وصول أخيه الإمام سعيد بن أحمد (حكم : 1198-1225هـ/ 1783-1810م) إلى الإمامة ، كرر سلطان التمرد ضده عام 1199هـ (1784م) ، ولم يستطع أي الطرفين أن يحقق نصراً حاسماًعلى الآخر ، مما جعل السيد سلطان يشعر بخطر البقاء في عُمان فهرب إلى جوادر.

عاد السيد سلطان إلى عُمان مرة أخرى عندما وصل السيد حمد بن سعيد إلى السلطة عام 1203هـ(1788م)، وبعد وفاه الأخير دخل السيد سلطان في نزاع طويل مع أخويه الإمام سعيد والسيد قيس ، انتهى بعقد صلح في بركاء محافظة جنوب الباطنة ، وبموجبه سيطر السيد سلطان على مسقط ، وسيطر الإمام سعيد على الرستاق ، والسيد قيس على صحار.

إتخذ السيد سلطان مسقط عاصمة له ، ووزع مسؤوليات الإدارة فيها ، فجعل عليها واليا ومستشارين له ومسؤولا عن الجيش والشرطة ومسؤولين عن الشؤون التجارية ، وعدد من الجباة يتولون جمع الضرائب والصدقات وأموال الزكاة .

إزداد النشاط التجاري والملاحي بمدينة مسقط في عهد السيد سلطان لاهتمامه بالتجار والبحارة ومنحهم بعض التسهيلات ؛ ومنها : الإعفاء عن الصادرات من الضرائب وعدم زيادة الضرائب عن نسبة 6 بالمائة من قيمة البضاعة و 5,2 بالمائة على البضاعة المعاد تصديرها الى الخارج. وقد بلغت تجارة الخليج التي تمر على مسقط في العقد الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي ما يعادل خمسة أثمان مجموع التجارة كلها في منطقة الخليج ، وتقدر العائدات الجمركية من ميناء مسقط في عام 1217هـ(1802م) بثلاثمائة ألف روبية ، وبلغت عوائد ميناء بندر عباس حوالي مائة ألف روبية ، وواردات موانئ زنجبار وبمباسة وكلوة وماليندي حوالى 62 ألف روبية عام 1219هـ (1804م).

وجه السيد سلطان بن احمد جل اهتمامه الى التوسع الخارجي ، فقام بتوجيه حملة بقياد سيف بن علي بن محمد البوسعيدي لإخضاع جوادر على ساحل مكران ، ونجح في الإستيلاء عليها ، ووجه اسطوله الى شهبار ، واستولى عليها في عام 1206هـ (1791م) ، وأستطاع فرض سيطرته على جزر قشم وهرمز وهنجام وميناء ميناب بعد تمكنه من انتزاعها من قبائل بني معين . وفي عام 1209هـ ( 1794م ) حاصر ميناء بندر عباس مما دفع الحكومة الفارسية إلى الموافقة على جعل الميناء تحت تصرفه مقابل إيجار سنوي بلغ أربعة الآف تومان فارسي .

توجه السيد سلطان للسيطرة على بعض مناطق الخليج العربي ، وكان من ضمنها البحرين والتي كانت تقع تحت سيطرة قبائل العتوب ، فقاد ضدهم أربع حملات : الأولى في الفترة 1214-1215هـ (1799-1800م) وتم الاستيلاء فيها على ثلالث سفن للعتوب الذين قاموا بالتحالف مع الفرس ضد السيد سلطان . أما الحملة الثانية فكانت في ربيع الأول 1216هـ(أغسطس 1801م) ؛ وقد عقد السيد سلطان بن أحمد في صفر 1216هـ(يوليو1801م) اتفاقاً مع السعوديين لمؤازرته ضد البحرين ، واستطاع أن يرغم العتوب على الاستلام ، وفرض سيطرته على البحرين ، وقام بتعيين ابنه سالم واليا عليها. وفي رجب 1216هـ (ديسمبر1801م) وجهت الحملة الثالثة ضد البحرين ، وقد طلب السيد سلطان المساعدة من الفرس؛ غير أنه بسبب تأخر القوات الفارسية عن إرسال إمداداتها لم يستطع السيد سلطان أن يحقق انتصاراً على البحرين ، مما دفعه للتخطيط لحملة أخرى ، فكان له ذلك في جمادى الأولى 1217هـ(سبتمبر1802م)؛ وبعد اشتداد الحصار على البحرين عقدت اتفاقية بين السيد سلطان وآل خليفة في 5 جمادى الآخرة 1217هـ (2 أكتوبر 1802م) ؛ وكان من أهم بنودها : أن يدفع حكام البحرين للسيد سلطان مبلغ 1500 تومان فارسي وان يقوموا بارجاع املاك قد صودرت عليهم بسبب تعاونهم مع السيد سلطان بمساعدة البحرين ان تعرضت الى خطر بالمال والرجال .

في عهد السيد سلطان بن أحمد استطاع السعوديين السيطرة على واحة البريمي في عام 1214هـ (1799م) ، وحاول السيد سلطان إخراجهم منها إلا أنه لم يتمكن من ذلك فعقد هدنة معهم في عام 1216هـ (1801م). غير أنهم قاموا بتوجيه حملة بحرية بالتحالف مع القواسم والعتوب في البحرين والكويت ضد عُمان نجح السيد سلطان في صدها . ثم قاموا بتوجيه حملة برية نحجت في دخول عُمان ، ووصلت إلى ساحل الباطنة ، ثم واصلت السير باتجاه مسقط ، وحاصرت مدينة صحار ، فقام السيد سلطان بن أحمد بتشكيل قوة عسكرية كبيرة لمواجهة الخطر السعودي ، غير أن وصول خبر اغتيال الأمير السعودي عبدالعزيز بن محمد في الدرعية وتولى ابنه سعود الحكم دفع بالقائد السعودي إلى التراجع والعودة إلى البريمي.

شهدت عُمان في آخر عهد السيد سلطان بن أحمد خطر القواسم وحلفائهم السعوديين ، فخرج إليهم في عام 1219هـ(1804م) في حملة من 14 سفيتة ؛ وصل بها حتى البصرة ، وأثناء عودته الى عُمان وبينما كان منفرداً على ظهر سفينة البدري اعترضته ثلاث سفن تابعة للقواسم فدارالقتال بين الطرفين أدى إلى مقتله في شعبان 1219هـ (نوفمبر 1804م )ودفن على شاطئ لنجة.

سعيد بن سلطان بن أحمد (حكم : 1219-1275هـ / 1804-1856م) سلطان

سعيد بن سلطان بن أحمد بن سعيد البوسعيدي ، ولد في عام 1206هـ / 1791م ، خلف والده السيد سلطان بن أحمد بعد مقتله بتاريخ 13 شعبان 1219هـ / 20 نوفمبر 1804م ، وكان عمره لا يتجاوز الثالثة عشر سنه ، فجعلت عمته السيدة موزة بنت الإمام أحمد بن سعيد أمر الوصاية على الحُكم بيد محمد بن ناصرالجبري ، خال أبيه إلى حين بلوغ أبناء أخيها السيد سلطان بن أحمد سن الرشد.

استغل قيس بن الإمام أحمد بن سعيد والي صحار الفراغ الذي حدث في السلطة بعد مقتل أخيه سلطان بن أحمد وصغر أبنائه ، فأعد العدة للسيطرة على مسقط، وأيده أخواه سعيد بن الإمام أحمد حاكم الرستاق ومحمد بن الإمام أحمد والي السويق ، مع جمع من قبائل الباطنة والداخلية ، وسيطروا على نواحي من الباطنة واحتلوا مطرح ، وحاصروا مسقط سنه 1219هـ/1804م فرأت السيدة موزة أن تستعين بابن أخيها بدر بن سيف بن أحمد بن سعيد وحلفائه الوهابية في المساعدة على التخلص من هذه الأزمة ، فأجابها بدر بعساكره ، ودارت المعارك بينه وبين عمه قيس بن أحمد، انتهت بالصلح بينهما على أن يسلم قيس حصن مطرح ، ويعود إليه نفوذه في صحار وبلدان الباطنة.

طمع بدر بن سيف في الاستئثار بالحكم والسيطرة على زمام الأمور، وقام بتقريب الوهابيين وولي سليمان بن سيف الزاملي على بركاء فاستاءت القبائل العُمانية من تصرفات بدر بن سيف ، واتفق السيد سعيد بن سلطان مع محمد بن ناصر الجبري على وضع خطه لاستدراج بدر بن سيف إلى حصن بيت النعمان ببركاء انتهت بمقتله بتاريخ 23 ربيع الثاني 1221هـ / 9 يوليو 1806م ، فأصبح سعيد بن سلطان الحاكم الوحيد على عُمان منذ ذلك التاريخ وتم تقديمه هاى أخيه السيد سالم بن سلطان الأكبر منه سناً ، وذلك نظرا لما تمتع به السيد سعيد من صفات القيادة والشجاعة التي أهلته لذلك المنصب ، إضافة إلى مرض السيد سالم منذ صغره بالفالج (شلل الأطفال)، وتصالح السيد سعيد بن سلطان مع عمه قيس بعد مقتل بدر بن سيف ، وخرجا معا في الحرب على القواسم في خور فكان في شهر ربيع الأول 1223هـ /مايو 1808م وقتل قيس بن الإمام أحمد بن سعيد في تلك الحرب.

حدثت فجوة في العلاقة بين السيد سعيد بن سلطان ومحمد بن ناصر الجبري ، فقبض سعيد بن سلطان على الجبري واستلم منه حصني بدبد وسمائل ، فتوجه محمد بن ناصر الجبري إلى الدرعيه عاصمة الدولة السعودية الأولى 1222هـ/1807م مستنجدا بسعود بن عبدالعزيز ، فتمكن الجيش السعودي من إخضاع ساحل الباطنة ، والسيطرة على نزوى وإزكي وسمائل ، فرأى السيد سعيد بن سلطان أن يستعين بالفرس لمواجهة القوات السعودية ، واستعاد نخل وحصن سمائل ، غير أن العون الفارسي لم ينجح في صد هجوم السعوديين الذين وصلوا إلى مشارف مسقط، فتدخل الإنجليز في عام 1224هـ/ 1809 م لصد الهجوم عن مسقط.

رأى السيد سعيد بن سلطان بعد أن تخلص من الأخطار المحيطة به بأن الفرصة مواتية لتوحيد الأراضي العُمانية تحت سيطرته خاصة بعد أن أصبحت صحار من ضمن ممتلكاته منذ عام 1229هـ/1814م نتيجة وفاة عزان بن قيس ، ثم سيطر على نخل في عام 1231هـ/1816م، وعلى الرستاق في عام 1236هـ/1821م وثبت عمه طالب بن أحمد واليا عليها ، ونظم السيد سعيد بن سلطان حملة مشتركة مع الإنجليز في محرم 1236هـ/ نوفمبر1820م ضد قبائل بني بو علي في جعلان ، وواجهت تلك الحملة مقاومة قوية من قبائل بني بوعلي الذين قاموا بهجوم مباغت على جيش سعيد بن سلطان مما أدى إلى هروب معظم أفراد الحملة ، وعاد السيد سعيد بالمتبقين منهم إلى مسقط ، وتكررت الحملة على بني بو علي في عام 1237هـ/1821م ونجحت في هزيمتهم وإخضاعهم للسيطرة العُمانية ، وأرسل السيد سعيد بن سلطان قوة إلى ظفار في عام 1154هـ/1839م بعد مقتل محمد بن عقيل حاكم ظفار في مرباط.

توحدت عُمان تحت ظل السيد سعيد بن سلطان وأصبح حاكم البلاد دون منازع بعد أن ضمن لها الأمن والأمان مما أدى إلى تعزيز مكانته وعظم نفوذه ، وخير دليل على ذلك ما لقيه من حفاوة وترحيب أثناء ذهابه إلى رحلة الحج في عام 1239ه/1824م حيث استقبل استقبالا رسمياً من قبل السلطات العثمانية لدى وصول سفينته ليفربول إلى ميناء جدة ، كما لقي الترحيب من شريف مكة يحيي بن سرور أثناء وصوله إلى الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأرسل السيد سعيد بن سلطان أسطوله إلى البصرة في ربيع الأول 1242هـ/نوفمبر 1826م نظرا لتراجع الأتراك عن تسليم الهبة السنوية التي يؤديها أهل البصرة لحاكم عُمان منذ عهد الإمام أحمد بن سعيد ، وحاصر الأسطول العُماني البصرة مدة شهرين حتى وافق الأتراك على تسليم المبالغ المستحقة.

أرسل السيد سعيد بن سلطان حملات متعددة لاستعادة جزيرة البحرين التي كانت خاضعة لعُمان أيام حكم والده ، الحملة الأولى كانت عام 1227هـ / 1811م ، ثم هاجمها مرة أخرى علم 1232هـ / 1816م بالاشتراك مع القوات الفارسية في بوشهر ومنيت تلك الحملة بالهزيمة وقتل فيها شقيقه حمد بن سلطان ، فرجع السيد سعيد إلى مسقط ، ثم أعاد هجومه على البحرين في عام 1243هـ/1828م غير أنه أخفق في استعادتها وأصيب بجرح بسيط خلال تلك الحملة ، وتوصل السيد سعيد بن سلطان في عام 1245هـ/1829م إلى صلح مع العتوب تضمن إعفائهم من دفع الجزية التي كان يطالبهم بها من عام 1235هـ/1820م ، كما تعهد كلا الطرفين بتقديم المساعدة للطرف الآخر في حال تعرضه للعدوان. وأرسل السيد سعيد بن سلطان محمد بن ناصر المعولي واليا على ممباسا في عام 1228هـ/1812م وأمره ببناء قلعة لامو، وقام السيد سعيد بن سلطان بزيارة ممباسا في جمادي الآخر 1243هـ/يناير 1828م وتمكن في هذه الزيارة من الحصول على قلعة ممباسا ووضع حامية بها ، ثم توجه إلى زنجبار التي زارها لأول مرة في حياته حيث استقبله أهلها بالترحاب واضطر للعودة إلى عُمان بعد مكوثه بزنجبار لمدة ثلاثة أشهرنظرا لحدوث بعض المشكلات السياسية أثناء غيابه عنها.

سافر السيد سعيد بن سلطان إلى زنجبار في عام 1247هـ/1832م بعد أن خضعت له بات وبمبا (الجزيرة الخضراء) وكلوة وسيوى ومقديشو، واصطحب في رحلته إلى زنجبار العديد من الأعيان والتجار والفقهاء والعلماء من مختلف القبائل والمذاهب وأمرهم بالتسامح الديني وعدم التعرض أو الإساءة لأتباع الديانات الأخرى الموجودة في زنجبار وشرق إفريقيا ، وعامل الوطنيين من أهل البلاد وزعمائهم معاملة كريمة مبنية على اللطف والاحترام والمساواة بين جميع السكان على اختلاف أعراقهم وأديانهم مشركا الجميع في تبوء المناصب والوظائف في الدولة كل حسب قدرته وكفاءته ، منتهجا مبدأ الشورى حيث كان يعقد اجتماعا في بيت الساحل يومي الاثنين والجمعة من كل أسبوع على فترتين : الأولى في الصباح والثانية بعد العصر، واهتم السيد سعيد بن سلطان بتنمية النشاط الزراعي في زنجبار وتوابعها وأدخل زراعة القرنفل أو مرة في زنجبار في عام 1258هـ/1842م، وأصدر منشورا إلى كافة رعاياه بزنجبار وبمبا بوجوب زراعة القرنفل منذراً المخالف بالعقاب فانتشرت زراعة وتجارة القرنفل حتى صار أحد الموارد الرئيسية الممولة لخزينة الدولة العُمانية.

أقام السيد سعيد بن سلطان عند زيارته زنجبارلأول مرة في البيت الذي تملكه فاطمة بنت يوسف إحدى ملكات زنجبار الشيرازيات ، ثم بنى العديد من البيوت والقصور ، مثل : بيت المتوني وبيت الساحل وبيت واتوور وبيت الراس ، وذلك بعد أن نمت تجارته وجلبت له الأرباح الوفيره، وعمل السيد سعيد على تنمية الأسطول الحربي الذي استعمله في الحرب والدفاع عن السواحل العُمانية وفي التجارة في أوقات السلم وعززه بالسفن الحربية التي كان يتم صناعتها في بومباي ويصنع بعضها في عُمان. واهتم السيدسعيد بن سلطان بإقامة علاقات مع القوى الموجودة في المنطقة ، فوقع الاتفاقيات التجارية مع العديد من الدول وذلك بهدف تنمية التجارة وزيادة دخل الجمارك في مناطق نفوذه ، وتركزت تلك العلاقات مع فارس وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

توفي السيد سعيد بن سلطان في يوم الأحد 19 صفر 1273هـ / 19 أكتوبر 1856م أثناء رجوعه من عُمان إلى زنجبار على ظهر بارجته البحرية فكتوريا ووصل جثمانه إلى زنجبار التي دفن بها يوم السبت 25 صفر 1275هـ /25 أكتوبر 1856م ، بلغ عدد أبنائه عند وفاته 35 ابناً منهم 18 ذكراً و17 أنثى.

شملت دولة السيد سعيد بن سلطان ما بين عُمان وبعض الأراضي الشرقية من سواحل الخليج ، مثل بندر عباس وميناب وقشم ، وامتدت على طول الساحل الشرقي لإقريقيا في المنطقة الواقعة ما بين رأس جوردافو في الصومال إلى رأس دلجادو في موزمبيق ، وتوغلت في داخل القارة الإفريقية حتى وصلت مملكة بوغندا وحتى أعالي الكونغو (زائير) ، واختلف أبناء السيد سعيد بن سلطان على من يخلف أباهم في الحكم ، فتدخلت بريطانيا وصدر تحكيم كانينج بتاريخ 21 رمضان 1277هـ / 2 إبريل 1861م الذي نص على تقسيم الإمبراطورية بين أولاد السيد سعيد بن سلطان بحيث يكون ثويني بن سعيد سلطانا لعمان وتوابعها وماجد بن سعيد سلطانا لزنجبار وملحقاتها.

ثويني بن سعيد بن سلطان البوسعيدي( حكم : 1273 - 1282 هـ /1856 – 1866م ) سلطان

ولد عام 1235هـ ـ ( 1819م ) في مسقط . تدرب على شؤون الحكم في حياة أبيه السلطان سعيد بن سلطان، إذ كان ينوب عنه في حكم مسقط أثناء وجود السلطان سعيد في زنجبار؛ وذلك منذ عام 1249هـ(1833م). 

يُقسم بعض المؤرخين حكم السلطان ثويني إلى ثلاث فترات بناءً على أبرز الأحداث التاريخية المرتبطة به؛ فالفترة الأولى1256-1273هـ(1840-1856م) هي أكثر الفترات التي تولى فيها الحكم على عُمان نيابة عن والده. والفترة الثانية 1273-1278هـ(1856-1861م) اشتغل فيها بمحاولات ضم زنجبار التي كانت في حكم أخيه ماجد بن سعيد (حكم: 1273-1287هـ/ 1856-1870م) إلى ممتلكاته. والفترة الثالثة 1278-1282هـ (1861-1865م) ركز فيها نفوذه وسلطته على مسقط. 

تعد الفترة الثانية من أصعب المراحل في تاريخ عُمان؛ إذ أدى النزاع بين السلطان ثويني في عُمان، وأخيه السلطان ماجد في زنجبار إلى تدخل بريطانيا بتشكيل بعثة برئاسة كوجلان لتقصي حقائق النزاع وأسبابه، فزار کوجلان مسقط وزنجبار لسماع وجهات نظر الطرفين، ثم قدم توصياته بضرورة تقسيم الدولة العُمانية إلى قسمين: آسيوي يحكمه السلطان ثويني، وإفريقي يحكمه السلطان ماجد .

واجه السلطان ثويني في حكمه كذلك مشكلة بندرعباس الذي كان تحت سيطرة الحكم العُماني؛ وانتهى به الأمر لعقد معاهدة مع الحاكم الفارسي أنهى في مضمونها السلطة العُمانية على البندر، وفيما يخص الأحوال الداخلية؛ ثار عليه أخوه تركي بن سعيد عام 1278هـ(1861م) احتجاجا على قرار التقسيم، وتمردت عليه الرستاق بزعامة قيس بن عزان ، وقد انتهى الأمر بمقتل قيس، ثم ظهرت نزاعات أخرى في مناطق مختلفة من عُمان ، حاول السلطان ثويني القضاء عليها وفرض سيطرته؛ غير أنه توفي يوم 27 رمضان 1282هـ ( 13 فبراير 1866م ) .

سالم بن ثويني بن سعيد( حكم : 1282 – 1285 هـ / 1866 – 1868م )سلطان

تولى على الحكم بعد موت والده.وحصل على تأييد والي الرستاق عزان بن قيس في بداية حكمه وهادن الوهابيين ظنا منه بأنهم سوف يساندونه في الحكم.وكان يسعى للحصول على تأييد بريطانيا، فأرسل إلى المقيم البريطاني في الخليج بيللي يطلب منه الاعتراف به حاكما على مسقط، غير أن بيللي رفض الطلب، فكرر السيد سالم الطلب مرارا. ثم اعترفت الحكومة البريطانية به في سبتمبر ۱۸66م.

واجه السلطان سالم بن ثويني معارضات واضطرابات داخلية قادها ضده عمه السيد تركي بن سعيد(حكم :1287-1305هـ/1871-1888م) والإمام عزان بن قيس(حكم :1285-1287هـ/1868-1871م) ، فضلا عن المشكلات الخارجية التي منها قرار زنجبار بوقف المساعدات التي تدفعها لمسقط، وقد انتهت مشكلة المساعدات بعد تدخل بريطانيا لدى السيد ماجد(حكم:1273-1287هـ/1856-1870م) الذي عاد إلى دفعها مرة أخرى.

فيما يخص صراعه مع عمه تركي بن سعيد؛ فقد جمع السيد تركي قوة كبيرة، وتوجه بها إلى مسقط، وعندئذ استنجد السيد سالم بالقوات البريطانية التي طلبت من السيد تركي الاستسلام أو أنها ستقاومه بالقوة، فلم يجد بدا من الاستسلام، وسلم نفسه إلى بيللي الذي وضع له صيغة وثيقة تلزمه بالإقامة خارج السلطنة، وأن يدفع له السيد سالم مبلغ 600 ريال سنويا على أن يستمر دفع هذا المبلغ طالما بقي تركي في الهند أو في أي مكان آخر تحدده الحكومة البريطانية. وقد توجه السيد تركي إلى مومبي للاستقرار فيها.

واجه السيد سالم مشكلة أخرى وهي إيجار بندر عباس؛ فقام بمحاصرته في عام 1868م (1285هـ) مما أغضب الحكومة الفارسية التي طلبت من الوزير البريطاني في طهران تشارلز أليسون التدخل لحل النزاع بين الطرفين، فطلبت السلطة البريطانية من السلطات الفارسية الموافقة على تجديد تأجير بندر عباس لمسقط، وبهذا توصل البريطانيون إلى عقد اتفاقية بين الطرفين المتنازعين في 4 أغسطس 1868م أُجر بموجبها بندر عباس وتوابعها إلى السيد سالم وأتباعه من بعده مدة ثمانية أعوام مقابل 30 ألف تومان.

ولم تكد مشكلة بندر عباس تنتهي حتى داهمت حكم السيد سالم بن ثويني ثورة الإمام عزان بن قيس بعد أن بايعه أهل الحل والعقد في زمانه، ومنهم: صالح بن علي الحارثي، وسعيد بن خلفان الخليلي. فنظم الإمام هجوما على مسقط بحملتين؛ الحملة الأولى بقيادته شقت طريقها من الرستاق إلى مسقط واستولت على بركاء في طريقها على الساحل، والحملة الثانية بقيادة صالح بن علي. وقد التقى الطرفان على مشارف مسقط ، مما أدى إلى سقوطها في 21 جمادی الآخرة 1285هـ (29 سبتمبر 1868م)، وبويع عزان بن قيس بالإمامة في 22 جمادى الآخرة 1285هـ(13 أكتوبر 1868م)، وعندئذ أيقن السيد سالم أن الاحتفاظ بالحكم أصبح صعبا؛ ففر إلى قشم ثم إلى الساحل المهادن، ثم توجه بعد ذلك إلى الرياض لطلب الإمدادات بعد أن رفض الإنجليز مساعدته في استعادة السلطة، وهناك وجد الإمام السعودي عبد الله بن فيصل مشغولا بحرب أهلية ضد أخيه سعود، فتوجه إلى الهند؛ وظل بها حتى وفاته عام 1290هـ ( 1873م ) في عهد السلطان تركي بن سعيد .

عزان بن قيس البوسعيدي ( حكم: 1285-1287 هـ / 1868-1871 م) إمام

هو عزان بن قيس بن عزان بن قيس بن أحمد بن سعيد البوسعيدي لا تحدد المصادر التاريخية تاريخ ولادته. تولى حكم الرستاق في عام 1277هـ (1861م) بعد مقتل والده في السويق، وكان يحكم عُمان في تلك الفترة السلطان ثويني بن سعيد(حكم :1273-1282هـ/1856-1866م) . ولم يلبث عزان أن أعلن الثورة ضد السلطان ثويني في عام 1280هـ ( 1864م) ، فسيطر على ساحل الباطنة الممتد من برکاء إلى صحار، وطلب السلطان ثويني المساعدة من الحكومة البريطانية، فخاطب بنجيلي الوكيل السياسي البريطاني في مسقط الإمام عزان لتسليم المناطق التي استولى عليها إلى السلطان، ولم يتلق الكولونيل أي رد من الإمام عزان على هذا الخطاب.

سيطر عزان بن قيس على بركاء في جمادى الآخرة 1285هـ ( سبتمبر1868م )،  ثم توجه إلى مسقط التي قاومت الحصار أياماً قليلة بدعم من القوات البريطانية ثم سقطت، فاضطر السلطان سالم بن ثويني(حكم:1282-1285هـ/1866-1868م) إلى الخروج من مسقط بتاريخ 24 جمادى الآخرة 1285هـ (12 أكتوبر 1868م) متجها إلى بندر عباس على متن السفينة الحربية البريطانية برنس أوف ويلز . وبايع علماء عُمان ومشايخها وعلى رأسهم: سعيد بن خلفان الخليلي وصالح بن علي الحارثي ومحمد بن سليم الغاربي، عزان بن قيس إماماً على عُمان بتاريخ 22 من جمادى الآخرة 1285هـ (10 أكتوبر 1868م).

أخضع الإمام عزان نزوى وسمائل وبدبد وإزكي وبقية بلدان الداخلية، ثم اتجه إلى الشرقية بدءا من صور، ثم جعلان وما جاورها، واسترد المصنعة التي كان يحكمها حمد بن سالم بن سلطان بن الإمام أحمد، ثم سيطر على جميع مناطق الباطنة، كما أرسل الإمام عزان أخاه إبراهيم بن قيس إلى شناص لمحاربة راشد بن عمير البريكي وزير سالم بن ثويني والذي كان يثير الناس ضد دولة الإمام عزان فتمكن إبراهيم بن قيس من قتله.

استغاث بنو نعيم في البريمي بالإمام عزان بن قیس لإنقاذهم من سيطرة الوهابيين عليهم، فتقدم الإمام بعد أن انضم إليه صالح بن علي الحارثي إلى البريمي على رأس قوة قوامها 1500 جندي، وتمكن من السيطرة عليها بتاريخ 7 ربيع الأول 1286هـ (18 يونيو 1869م)، ووضع عليها حامية وعين محمد بن سعيد الهنائي واليا عليها، وتحالف الإمام عزان قبل مغادرته البريمي مع زايد بن خليفة الأول شيخ أبوظبي بأن يدفع له الإمام معونة مقابل قيام الأخير بحماية حدود البريمي، تمكن الإمام بعد أن سيطر على البريمي من بسط نفوذ دولة الإمامة على سائر بلدان الظاهرة، وعين بريك بن سالمين الغافري واليا على الظاهرة.

ثارت قبائل البوعلي في جعلان على الإمام عزان لكنه تمكن من إخماد ثورتهم، وأرسل زعماءها إلى مسقط لمحاكمتهم ، ثم أفرج عنهم وعاملهم معاملة طيبة مما جلب للإمام انتقاد زعماء الإمامة وخاصة سعيد بن خلفان الخليلي الذي رأى بأنه يجب إبادتهم، وبالتالي يزول خطرهم عن الإمامة، وحدث ما توقعه الخليلي حيث ساعدت هذه القبائل السلطان تركي بن سعيد للوصول إلى السلطة وكانت سببا في انهيار دولة الإمامة.

ساءت العلاقة بين الإمام عزان والسلطات البريطانية منذ بداية توليه الحكم وذلك لعدم اعترافها بسلطته، ورفضها منحه معونة زنجبار التي أقرها تحكيم كاننج المبرم في 1277هـ (1861م)، إضافة إلى اعتراض ماجد بن سعيد سلطان زنجبار على دفع تلك المعونة بحجة أن عزان قد اغتصب السلطة، ولم يكن من نسل السيد سلطان بن الإمام أحمد وإنما هو من ذرية قيس بن الإمام أحمد، وعندما استولى السيد ناصر بن ثويني على جوادر في ذي الحجة 1285هـ (إبريل 1869م) أصدر ديسبرو الوكيل السياسي البريطاني في مسقط أوامره بمنع إبحار أي سفينة حربية من ميناء مسقط حتى لا يرسل الإمام عزان حملة بحرية ضد جوادر.

أصدر ديسبرو تعليماته إلى قائد السفينة الحربية البريطانية كلايد لنقلها إلى مرسى آخر في ميناء مسقط في جمادى الآخرة 1286هـ (أكتوبر 1869م) وذلك بعد أن تلقى إشعارا بنية ناصر بن ثويني الهجوم على مسقط وأغفل إعلام السلطات المحلية برغبته في نقل تلك السفينة، فقامت حامية قلعة الجلالي بضرب السفينة بالبنادق، وتلقى بيلي المقيم السياسي في الخليج أوامر بالتحرك إلى مسقط على الفور، ونجح بيلي في الحصول على اعتذار خطي من سعيد بن خلفان الخليلي الذي كان مسئولا عن مسقط في غياب الإمام عزان، كما عبر الإمام عن أسفه حيال ما حدث واحترامه للحكومة البريطانية، وذكر بيلي أن الرعايا البريطانيين في مسقط لم يشتكوا من التعرض إلى الاضطهاد إلا أنهم يعانون من فرض الإمام عزان للمبادئ الإسلامية التي تمنع الاقراض مقابل فوائد ربوية، وتحظر شراء التبغ الذي يعتبر أحد السلع التي يتاجر بها الهنود في مسقط.

قررت بريطانيا مساعدة السيد تركي بن سعيد ضد الإمام عزان، فغادر الهند في 1287هـ (1870م)، بعد أن أمده أخوه ماجد بن سعيد سلطان زنجبار بمبلغ 20000 دولار نمساوي ونزل خورفكان، وانضم إليه أناس من القبائل الغافرية التي لم تكن على وفاق مع الإمام عزان حتى وصل عددهم إلى ما يقرب من 4000 رجل. وفي رجب 1287هـ (أكتوبر 1870م) التقى جيش السيد تركي وجيش الإمام عزان في ضنك، ودارت بينهما معركة عرفت بمعركة سالمة (نسبة إلى موقعها في وادي سالمة) أسفرت عن انتصار السيد تركي وهزيمة الإمام عزان.

هاجم تركي بن سعيد مطرح في ذي القعدة 1287هـ ( يناير 1871م)، وقتل الإمام عزان أثناء مشاركته في صد الهجوم، ثم توجهت قوات تركي إلى مسقط وفيها سعيد بن خلفان الخليلي وبعض أتباعه، فحاصروهم حتى أرغموهم على تسليم القلعة. وبذلك انتهت دولة الإمام عزان التي استمرت سنتين ونصف السنة بتاريخ 12 ذي القعدة 1287هـ ( 3 فبراير 1871م ).

نفذ الإمام عزان بن قيس خلال توليه الحكم في عُمان العديد من الأحكام مثل: أخذ القرض لبيت المال من الرعية لأجل الدفاع عن الوطن، وهذا ما قام بتنفيذه لاسترداد البريمي. كما استبدل بعلم عُمان الأحمر علماً أبيض شعاراً للدولة، ومنع التدخين، كما حظر شتى أنواع الموسيقى والغناء والمتاجرة بها، مما أدى إلى هجرة عدد من التجار الهنود (البانيان) إلى خارج مسقط.

تركي بن سعيد بن سلطان البوسعيدي( حكم : 1287 ـ 1305 هـ / 1871 ـ 1888م )سلطان

ولد عام 1247 هـ ( 1832م ) وعاش بزنجبار حتى عام 1267هـ (1851م) حيث عينه والده السيد سعيد بن سلطان سلطان مسقط وزنجبار(حكم:1219-1273هـ/1804-1856م) واليا على صحار بعد ان استردها من سيطرة السيد قيس بن عزان ، واستمر واليا عليها حتى صدور تحكيم كاننج الحاكم العام للهند ، الذي صدر في عام 1278هـ(1861م) وقسم الدولة العُمانية  التي أسسها السيد سعيد في عُمان وشرق إفريقيا ، بحيث تكون مسقط وتوابعها تحت سلطة السلطان ثويني بن سعيد ، بينما تكون زنجبار وممتلكات السيد سعيد في مناطق شرق افريقيا تحت سلطة السلطان ماجد بن سعيد ، وبناء على هذا التقسيم أصبحت صحار تابعة لسلطة السلطان ثويني بن سعيد ، غير أن تركي رفض الخضوع لسلطة ثويني مما دفع به إلى سجن تركي وتعيين ابنه سالم واليا على صحار. تدخلت السلطات البريطانية للصلح بين السلطان ثويني سلطان عُمان (حكم :1278-1282هـ/1861-1866م) وأخيه السيد تركي ، فأطلق سراح تركي في عام 1278هـ(1862م) وأعطي مخصصا ماليا ، مما أدى إلى تحسين العلاقات بين الأخوين . ورافق تركي أخاه أثناء ذهابه للبريمي لمحاربة الوهابيين ، غير أن ثويني قُتل في صحار قبل أن يصل إلى البريمي في عام 1282ه/1866م.

سجن سالم بن ثويني سلطان عُمان (حكم :1282-1285هـ/1866-1868م) بعد توليه الحكم عمه السيد تركي ، غير أن الحكومة البريطانية تدخلت بين الطرفين ، وأطلق سراحه ، ثم عزم على السيطرة على عُمان والقضاء على سلطة السلطان سالم ، متخذا من ينقل مقرا لقيادته ، فاستولى على صحار ، ولكنه لم يتمكن من السيطرة عليها. تدخل بيلي المقيم السياسي البريطاني في الخليج للتسويه بين السلطان سالم بن ثويني والسيد تركي ، فاتفقا على أن يغادر تركي إلى الهند ، مقابل أن يصرف له السلطان مبلغ 7200دولار نمساوي سنويا تستقطع من معونة زنجبار ، فسافر السيد تركي إلى مومبي بتاريخ 12 جمادي الأولى 1284هـ(11 سبتمبر1867م) ، وعاد تركي بن سعيد إلى عُمان في ذي القعدة 1286هـ(مارس 1870م).

أصبح تركي سلطانا على عُمان بعد وفاة الإمام عزان بن قيس، واعترفت به الحكومة البريطانية في ربيع الأول 1288هـ ( يونيو 1871م ) وصرفت له معونة زنجبار بأثر رجعي من تاريخ توليه الحكم ، بعد ان كانت قد أوقفت في عهد الإمام عزان .وواجه تركي بن سعيد بعد توليه حكم عُمان العديد من المشكلات والحروب الداخلية، التي قامت مع معارضين لسلطته ، مثل : إبراهيم بن قيس البوسعيدي وسالم بن ثويني البوسعيدي وعبدالعزيز بن سعيد البوسعيدي وصالح بن علي الحارثي وحمود بن سعيد الجحافي. وقد هاجمت قوات السلطان تركي بن سعيد صحار في جمادى الأولى 1290 هـ (يوليو 1873م) فاستسلم السيد إبراهيم بن قيس، وتنازل عن ساحل الباطنة للسلطان تركي مقابل أن يحصل على مكافأة مقدارها خمسة آلاف دولار نمساوي ومرتب شهري مقداره مائة دولار نمساوي، على أن يسكن وادي حيبي.

ارتبط السلطان تركي بن سعيد بعلاقات قوية مع السلطات البريطانية وذلك لإقامته في الهند في الفترة : 1284-1286هـ(1867-1870م)، في مقر الرئاسة في مومبي ، وشجعته تلك السلطات على التوجه الى عُمان لمحاربة الإمام عزان بن قيس وتنصيب نفسه حاكما على عُمان ، ولذلك سارعت السلطات البريطانية الى الإعتراف به وصرفت له معونة زنجبار بأثر رجعي من تاريخ توليه الحكم .

في رمضان 1303هـ ( يوليو 1886م ) منحت الحكومة البريطانية نجمة الهند من الدرجة فارس (جي.سي.إس.آي) للسلطان تركي وقدمت له الدعوة لحضور الإحتفال بتتويج الملكة فكتوريا ملكة بريطانيا العظمى وإيرلندا وإمبراطورة الهند،  الذي أقيم في الهند وأعلنت السلطات البريطانية رسميا في عام 1303 هـ (1886م) بانها لن تسمح بأي هجوم على مسقط حتى لو دعا الأمر الى استعمال أسطولها وقواتها العسكرية واستلم السلطان تركي من السلطات البريطانية في عام 1304 هـ (1887م) بطاريتي مدفع زنة قذيفته 12 رطلا مع عرباتها وذخائرها الكاملة للدفاع عن مسقط.

تزامنت فترة حكم السلطان تركي بن سعيد في عُمان (1287-1305هـ/1871-1888م)مع فترة حكم أخيه السلطان برغش في زنجبار (حكم:1287-1305هـ/1870-1888م) ، وأرسل السطان تركي بعد توليه حكم عُمان إلى أخيه برغش بن سعيد يطالبه بدفع معونة زنجبار ، غير أن حكومة الهند البريطانية تعهدت بدفعها ، مما أدى إلى تحسين العلاقة بين الأخوين ، حتى أن تركي اقترح في عام 1297هـ(1880م) بأن يتنازل عن حكم عُمان لصالح أخيه برغش ، لولا تدخل السلطات البريطانية التي رفضت رفضا قطعيا إعادة الوحدة بين عُمان وزنجبار.

دعم السيد برغش بن سعيد في عام 1301هـ(1884م) أخاه تركي باثنين وثلاثين ألف روبية لسد عجز الخزينة العُمانية ، والذي تسبب به هجوم صالح بن علي الحارثي بالتعاون مع عبدالعزيز بن سعيد على مسقط في ذي القعدة 1300هـ(أكتوبر1883م) ، كما قدم السلطان برغش في عام 1303هـ/(1886م) السفينة السلطاني هدية لأخيه السلطان تركي، إضافة إلى اليخت البخاري (دار السلام) والذي أسهم في تعزيز رقابة السلطان تركي على السواحل العُمانية .

توفي السلطان تركي بن سعيد بتاريخ 22 رمضان 1305هـ ( 3يونيو 1888م) ، مخلفاً ثلاثة أبناء ، هم : محمد وفيصل وفهد ، وابنة هي السيدة تركية والدة السلطان خليفة بن حارب بن ثويني بن سعيد سلطان زنجبار (حكم: 1330-1380هـ/1911-1960م)، وتولى حكم عُمان بعده ابنه الأوسط السيد فيصل بن تركي .

فيصل بن تركي بن سعيد ( حكم : 1305 – 1331هـ /1888 – 1913 م ) سلطان

ولد في عام 1280هـ (1864م) وهو ثاني أبناء السلطان تركي بن سعيد البوسعيدي ، زوجه والده في عام 1305هـ ( 1880م) من ابنة عمه السيدة علياء بنت ثويني بن سعيد بن سلطان .

اضطلع السيد فيصل بن تركي بالعديد من المهام الإدارية والعسكرية في عهد والده ، فعينه واليا على نزوى وسمائل ، وقد قاد في عام 1298هـ ( 1881م ) حملة ضد سكان وادي سمائل والمعاول ، كما رافق الحملة على بني بطاش عام 1300هـ ( 1883م ) ، وقاد عام 1303هـ ( 1886م ) حملة على ظفار . تولى حكم عُمان بعد وفاة والده السلطان تركي في عام 1305هـ ( 1888 م ).

وقد اهتم السلطان فيصل بأوضاع عمان الداخلية فبدأ حكمه بتكوين جيش بقيادة أخيه السيد فهد بن تركي لتوطيد الأمن والاستقرار في البلاد ، ولمواجهة النزاعات والمخاطر الداخلية. كما حاول السلطان فيصل إيجاد نوع من التوازن في علاقته ببريطانيا وفرنسا ، القوتين الاستعمارتين المسيطرتين على المنطقة في تلك الفترة واللتين اشتركتا في إعلان ضمان استقلال مسقط بعد تحكيم كاننج في عام 1861م.

بدأ السلطان حكمه بتحسين علاقته مع بريطانيا وذلك من أجل حصوله على الاعتراف الرسمي من قبل الحكومة البريطانية والاستفادة من معونة زنجبار إضافة إلى رغبته في الحصول على حليف خارجی يساعده في القضاء على الثورات والنزاعات القبلية الداخلية، فوقع معاهدة الصداقة والتجارة والملاحة مع الحكومة البريطانية في عام ۱۸۹۱م، والتي منحت صلاحيات وامتيازات للرعايا البريطانيين المقيمين في مسقط، وكانت هذه المعاهدة سببا في قيام الفرع الهناوي من القبائل العمانية بزعامة صالح بن علي الحارثي بالهجوم على مسقط في عام 1895 م.

تسبب الهجوم على مسقط في حدوث فجوة في علاقات السلطان فيصل مع الحكومة البريطانية، التي لم تساعده في صد الهجوم عن مسقط، وطالبته بدفع مبلغ 60000 تعويضا للرعايا البريطانيين الموجودين بمسقط، عن الأضرار التي لحقت بممتلكاتهم من جراء ذلك الهجوم، كما أصدرت حكومة الهند البريطانية قرارا بمنع تصدير الأرز من الهند إلى مسقط خلال تلك الفترة، وأتاح هذا المتازم في العلاقات بين بريطانيا والسلطان الفرصة لبول أوتافي القنصل الفرنسي في مسقط لتقوية النفوذ الفرنسي في مسقط عن طريق التقرب من السلطان وبعض المسؤولين في بلاطه مثل عبدالعزيز الرواحي سكرتيره الخاص والذي كان شديد الكراهية للإنجليز بعد أن طردوه من زنجبار وشجع أوتافي السفن الفرنسية على القيام برحلات استطلاعية الى موانئ الخليج العربي، فقامت السفينة الفرنسية سكوربيون بزيارة إلى الموانئ العمانية، والتقطت صورا من ميناء بندر الجصة الذي يعد من أفضل المحطات للتزود بالفحم الحجري وذلك لوجود جزيرة عند مدخله.

توجت جهود القنصل أوتافي الدبلوماسية بمنح السلطان فيصل في عام ۱۸۹۸م بندر الجصة للفرنسين للتزود بالفحم، الأمر الذي كان مصدر إزعاج للحكومة البريطانية التي بذلت جهودا دبلوماسية وعسكرية حتى تمكنت من جعل السلطان يلغي قراره بمنح محطة الفحم للفرنسيين ثم اقتنعت فرنسا في مايو ۱۹۰۰م بالعرض البريطاني الذي منحها الجانب الجنوبي من خور المكلا لتستعمله محطة التزويد السفن الفرنسية بالفحم.

انزعجت السلطات البريطانية من مسألة الأعلام الفرنسية التي استعملتها السفن العمانية ، خاصة سفن أهالي صور، ورأت فيها تهربا من القضاء على تجارتي الرقيق والسلاح اللتين حاربتهما بريطانيا، وبذلت جهودها الدبلوماسية والعسكرية للقضاء على تلك الظاهرة، حيث هددت السلطان فيصل بقطع معونة زنجبار، وطالبته برفع علم خاص به على جميع السفن التي يملكها رعاياه في جميع الموانئ العمانية، واضطرت بريطانيا إلى رفع الموضوع إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، والتي اصدرت حكمها بتاريخ 8 من أغسطس 1905م، وحصرت رفع الأعلام الفرنسية على السفن التي حصلت على التصريح اقبل تاریخ 2 من يناير 1892م، وهو تاريخ التوقيع على ميثاق بروكسل الخاص بالتفتيش البحري ومنع تجارة الرقيق.

مثّل قرار محكمة العدل الدولية انتصارا للنفوذ البريطاني في عمان بصفة خاصة والخليج بصفة عامة، فاصبحت بريطانيا القوة الوحيدة المسيطرة على المنطقة، ووجدت الفرصة مواتية للقضاء على تجارة السلاح التي ازدهرت بمسقط في الفترة ۱۸۹۰ - ۱۹۱۳م وكانت تهدد الوجود البريطاني في المنطقة، والتي قد تغني السلطان عن الاعتماد على معونة زنجبار، وفي 1 سبتمبر 1912م نجحت بريطانيا في إقناع السلطان بإصدار قانون منع تجارة الأسلحة.

عارضت العديد من القبائل العمانية إصدار السلطان فيصل لقانون منع تجارة الأسلحة في مسقط، ورأت فيه تابعا للإنجليز، مما أدى إلى قيام الإمامة وانتخاب سالم بن راشد الخروصي إماما على عمان في مايو ۱۹۱۳م، وما نتج عنها من مشاكل سياسية واجتماعية، ألقت بتبعاتها على الأوضاع في عمان.

اتخذت الإمامة مدينة نزوى عاصمة لها، وذلك لأنها حصينة من الناحية الحربية، ولمكانتها عند العمانيين، وتمكنت قوات الإمامة من السيطرة على إزكي وسمائل مما دفع بالسلطان فيصل إلى طلب المساعدة البريطانية في ۷ يوليو ۱۹۱۳م، وقام السلطان بفرض حصار اقتصادي على مناطق الإمامة، برفع الرسوم على المنتجات الواردة من مناطق الإمامة إلى الساحل، فرفع نسبة رسوم الرمان من 7 إلى 28% ورسوم التمور من 5 إلى 15٪، كما فرض الحظر على تصدير المؤن مثل: الأرز والذخائر والأقمشة إلى المناطق الخاضعة للإمامة.

توفي السلطان فيصل بن تركي في 3 ذو القعدة 1331هـ ( 4 أكتوبر 1913م ) وخلفه على حكم عمان ابنه الأكبر تيمور . أنجب السلطان فيصل بن تركي تسعة أبناء هم : تيمور ونادر ومحمد وحمد وحمود وسالم وعلي وملك وشهاب .

تيمور بن فيصل بن تركي البوسعيدي ( حكم : 1331 – 1350 هـ / 1913 – 1932م ) سلطان

تيمور بن فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان بن أحمد بن سعيد البوسعيدي ، ولد في مسقط عام 1302هـ ( 1885م ) وأمه علياء بنت ثويني بن سعيد بن سلطان ، درس في كلية مايو بمدينة أجمير بالهند ، وتزوج من السيدة فاطمة بنت علي بن سالم بن ثويني بن سعيد بن سلطان  في عام 1321هـ ( 1904م ) .

دخل الحياة العامة في سن مبكرة ، حيث كلفه والده السلطان فيصل عام 1318هـ(1901م) بمرافقة الحملة البريطانية إلى مناجم الفحم في صور، وهو لم يتجاوز الـ 15 عاما من عمره ، وفي شعبان 1320هـ(ديسمبر1902م) توجه السيد تيمور إلى الهند ممثلا عن للمشاركة في احتفالات تتويج إدوارد السابع ملكا للمملكة المتحدة وامبراطورا للهند (حكم :1901-1910م). وتجول السيد تيمور خلال هذه الزيارة في عدد من المدن الهندية ، والتقى بعم والده السيد عبدالعزيز بن سعيد في منفاه في بونا بالهند ، وعند عودته إلى مسقط استقبله أبوه استقبالاً رسمياً ، حيث أطلقت المدفعية 13 طلقة للتحية والسلام . 

تولى السيد تيمور بن فيصل حامية المصنعة عام 1320هـ ( 1903م ) ، ورافق والده عام 1323هـ (1906م) في زيارة تفقدية لظفار . كما قام السيد تيمور بزيارة سياحية إلى البصرة وبغداد على متن السفينة البريطانية كولا في 12 ربيع الثاني 1329هـ(12إبريل1911م)،واستمرت حتى جمادى الأولى 1329هـ(مايو1911م).كما توجه السيد تيمور إلى مومبي في ذي القعدة 1329هـ(نوفمبر1911م) للمشاركة في حفل الاستقبال الملكي بمناسبة زيارة جورج الخامس ملك بريطانيا العظمي وإيرلندا وإمبراطور الهند (حكم :1910-1936م) للهند.

وقاد السيد تيمور بن فيصل حملات عسكرية لمواجهة الاضطرابات التي قامت بالعديد من المناطق العُمانية احتجاجا على قرار السلطان فيصل بن تركي بإنشاء مستودع للأسلحة في رمضان 1330هـ(سبتمبر1912م)، وشارك في مواجهة قوات الإمامة التي قامت في جمادى الأولى 1331هـ(مايو1913م) بتنصيب سالم بن راشد الخروصي إماماً على عُمان.

تولى السيد تيمور حكم عُمان بعد وفاة والده بتاريخ 4 ذي القعدة1331هـ ( 4 أكتوبر1913م ) وفور استلامه للحكم اجتمع بأخويه محمد ونادر ،وتدارس معهم خطورة الوضع وضرورة تماسكهم لمجابهته ، وطلب منهما أن يصارحاه إذا كان لديهما اعتراض على توليته فأجمعا بموافقتهما على توليه الحكم .
 
سعى السلطان تيمور بن فيصل منذ بداية حكمه إلى إيجاد نوع من التفاهم بينه وبين قوات الإمامة مستعملا الطرق السلمية، فدعا عيسى بن صالح الحارثي لزيارته في مسقط للتباحث معه في محرم 1332هـ(ديسمبر1913م)، ولم تسفر هذه المحادثات عن نتيجة إيجابية ، كما خاطب السلطان تيمور زعاماء القبائل العُمانية مبديا لهم رغبته في استعادة وحدة عُمان وإزالة الخلافات ، مؤكدا لهم التزامه بتطبيق الشريعة الإسلامية ، ولم تستجب تلك القبائل لدعوته ، ففرض حصاراً اقتصادياً على مناطق الإمامة بزيادة الضرائب الجمركية على البضائع القادمة من داخل عُمان لتصديرها عبر المؤاني الساحلية ، وعل جميع البضائع الخارجة من ميناء مسقط في طريقها إلى مناطق الإمامة.

سيطرت قوات الإمامة على بركاء وقريات في جمادى الأولى 1332هـ(إبريل1914م) ، ولم يبق للسلطان تيمور إلا مسقط ومطرح وصور وصحار، ظل الوضع على ما هو عليه حتى تاريخ 11 محرم 1339هـ /25 سبتمبر 1920م عندما عقدت اتفاقية السيب التي قسمت عُمان رسمياً إلى قسمين : المناطق الساحلية يحكمها تيمور ، والمناطق الداخلية يحكمها الإمام محمد بن عبدالله الخليلي ، وسمحت هذه الاتفاقية بتنقل المواطنين بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية وحرية ممارسة أنشطتهم التجارية ، وفرضت ضريبة بنسبة 5/ على البضائع الواردة من مناطق الإمامة إلى المدن والموانئ الساحلية .

أدخل السلطان تيمور بن فيصل الأساليب الإدارية الحديثة إلى البلاد ووافق في عام 1336هـ/1918م على المشروع الذي اقترحه هيوراث القنصل البريطاني بمسقط لإعادة تنظيم الإدارة المالية ، وإلحاق بعض رجال الخدمة البريطانية في الهند بسلك المناصب الرئيسية لحكومة مسقط ، وقام بتنظيم إدارة الجمارك واقترض من أجل ذلك مبلغا من الحكومة البريطانية مقداره 650 روبية بفائده نسبتها 6 بالمائة وبضمان جمارك مسقط على أن يسترجع المبلغ خلال 10 أعوام ، وعين ماكولوم مستشاراً ماليا للإشراف على الشؤون المالية لحكومة مسقط، وأعيد تنظيم الإدارة الجمركية فأنشئت وظائف جمركية في الموانئ البعيدة عن مسقط مثل : صحار وصور، وجلب السلطان خبراء مصريين لإدارة خزينة الدولة وإيجاد آلية للتخلص من القروض ، وعين أخاه السيد نادر مسئولا عنها ، وخفض السلطان تيمور مخصصاته المالية.

وشكل السلطان تيمورأول مجلس وزراء في تاريخ عمان في محرم 1339هـ (أكتوبر1920م) برئاسة أخيه نادر. وذلك للإنابة عنه في إدارة شؤون البلاد أثناء وجوده خارجها ، وأعطيت للمجلس صلاحية كاملة للتدخل في جميع أمور الدولة ما عدا الشؤون الخاصة بالسلطان ، وكان المجلس يجتمع مرتين في الأسبوع وفي عام 1347 هـ ( 1929م ) عين السلطان تيمور ولده السيد سعيد بن تيمور رئيسا لمجلس وزراء عُمان.

قام السلطان تيمور بن فيصل بإصلاح النظام القضائي فأعيد تنظيم المحاكم وأضيفت إليها إدارة للشريعة الإسلامية،وأنشئت محكمة عليا في مسقط يسمح باستئناف أحكامها إلى السلطان بصفته المسؤول الأعلى في الدولة .ووضع السلطان تيمور نواة للجيش العماني المنظم وذلك لأجل دعم سلطته والدفاع عن ممتلكاته ومناطق نفوذه ، ولمواجهة أي هجوم متوقع من المناطق الداخلية ، وعين إي. في. مكارثي أحد ضباط الجيش الهندي البريطاني في عام 1339هـ(1921م) بمنصب القائد العام للجيش الذي أطلق عليه اسم القوات المجندة ، واتخذت هذه القوات من بيت الفلج مقرا لها .

أنشأ السلطان تيمور بن فيصل المدرسة السلطانية الأولى في عام 1348هـ (1930م) وهي أول مدرسة حكومية نظامية ، وكانت هذه المدرسة تدرس مواد :  القرآن الكريم والتوحيد والفقه واللغة العربية بفروعها والعلوم والصحة والتاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية ، وفقا لبرنامج تعليمي منظم ينفذ من خلال خطة تدرسية محددة.

منح السلطان تيمور في عام 1343 هـ ( 1925م ) إمتيازا لشركة دي. آركي البريطانية للتنقيب عن النفط ، غير أن البعثة الجيولوجية التي توجهت إلى منطقة الحجر الغربي من عُمان لم توفق إلى إكتشاف النفط بكميات تجارية ، وانتهت مدة العقد بصورة تلقائية بعد ثلاث سنوات من إبرامه .

زار السلطان تيمور في عام 1346 هـ ( 1928م ) المملكة المتحدة ثم زار فرنسا وإيطاليا واليابان. وفي 2 شوال 1350 هـ (10 فبراير 1932م ) تنازل السلطان تيمور عن حكم عُمان لولده السيد سعيد ، وذلك لظروفه الصحية إضافة إلى الأزمة الإقتصادية التي شهدها العالم في ثلاثينيات القرن العشرين الميلادي ، وتدهور قيمة الريال النمساوي وعاش متنقلا بين اليابان والهند وعُمان. والتقى السيد قابوس بن سعيد بجده السلطان تيمور بن فيصل عام 1383هـ (1964م) أثناء زيارته الهند، وذلك في إطار الجولة العالمية التي أعدها له والده السلطان سعيد والتي استغرقت ثلاثة أشهر. 

تزوج السلطان عدة زوجات من جنسيات مختلفة ، وأنجب خمسة أبناء هم : سعيد وماجد وطارق وفهر وشبيب ، وبنت واحدة هي السيدة بثينة . وتوفي السلطان تيمور في مومبي بالهند عام 1385 هـ ( 1965م ) .

سعيد بن تيمور بن فيصل (حكم :1350-1390هـ / 1932- 1970م)  سلطان

ولد في مسقط يوم السبت 8 شعبان 1328 هـ (13 أغسطس 1910م)، وأمه فاطمة بنت علي بن سالم بن ثويني بن سعيد بن سلطان البوسعيدي . تولى الحكم بعد تنحي والده السلطان تيمور بن فيصل عن الحكم يوم الأربعاء 4 شوال 1350 هـ (10 فبراير 1932م) ، واستمر حكمه 38 عاماً ، إلى يوم الخميس 19 جمادى الأولى 1390 هـ (23 يوليو 1970م). أرسله والده في فبراير 1922 م (جمادى الآخرة 1340 هـ) إلى الهند للدراسة في كلية مايو ، فبقي فيها حتى مارس 1926 م (شعبان 1344هـ ) ، ثم سافر في العام نفسه لدراسة اللغة العربية في المدرسة العربية ببغداد ، وعاد إلى عُمان بعد عامين ، فكلفه والده حضور اجتماعات المجلس الوزاري ، وفي صفر 1348 هـ (أغسطس 1929م) عين رئيسًا لمجلس وزراء مسقط وعُمان.

عمل السيد سعيد على توحيد عُمان واستعادة المناطق العُمانية التي أصبحت خاضعة لقوات الإمامة وفقًا لاتفاقية السيب الموقعة بين السلطان تيمور بن فيصل والإمام محمد بن عبدالله الخليلي عام 1339هـ (1920م) ، فأقام علاقات صداقة مع زعماء القبائل العُمانية الذين وجه لهم الدعوات لزيارته في مسقط ، ولبي كثير منهم دعوته. ودعى بسليمان باشا الباروني ، وهو سياسي ليبي من إباضية جبل نفوسة وقربه ، وطبع له عدة مؤلفات عن الإباضية ، واستقر الباروني خمس سنوات في مسقط من عام 1352هـ (1934م) إلى 1356هـ (1938م) مستشارًا للشؤون الدينية والداخلية.

بعد وفاة الإمام الخليلي تولى الحكم الإمام غالب بن علي الهنائي يوم الإربعاء 29 شعبان 1373هـ(3 مايو 1954م)، فاتصل الإمام غالب بالسعودية لمساعدته ضد السلطان سعيد ، وطالب بعضوية عُمان في جامعة الدول العربية ، وإبان ذلك اكتشف النفط في فهود التابعة لأراضي الإمامة العُمانية. وفي ظل هذه الظروف أعلن السلطان سعيد عدم اعترافه بأي إمام على عُمان بعد الإمام الخليلي ، وأصر على زوال الإمامة والسيطلاة على المناطق الداخلية من عُمان ، فجهز قوات عسكرية لمواجهة قوات الإمامة ، وطلب من الحكومة البريطانية تزويده بالأسلحة والذخائر والخبراء العسكريين لتجنيد 400 جندي إضافي في قواته ، وشكلت عام 1373هـ(1953م) قوة مشاة مسقط وعُمان لحماية التنقيب عن النفط ، وأنشأ مركزاً للقيادة العامة لقوات السلطان بميناء الدقم.

سيطرت قوات السلطان على عبري في صفر 1374هـ(أكتوبر1954م)، ومثل ذلك الحدث نقطة البداية للحرب التي عرفت في التاريخ العُماني باسم حرب الجبل الأخضر، وفي 29ربيع الثاني 1375هـ(15 ديسمبر1955م) دخلت قوات السلطان نزوى وسيطرت عليها دون أي مقاومة تذكر ، ثم سيطر على بدبد وسمائل والرستاق وبهلاء وإزكي وأدم ، وانتقل مركز القيادة العامة لقوات السلطان من الدقم إلى عبري، وأمر السلطان سعيد بإنشاء عيادة متنقلة في نزوى ، وإنشاء طريق يربط بين نزوى وسمائل ، واضطر غالب وأتباعه للتراجع إلى الجبل الأخضر ؛ وأخذ يعد العدة لاستعادة نزوى ، فدارت المعارك بين قوات السلطان والإمامة استمرت حتى 7 رمضان 1378هـ (17 مارس 1959م)انتصرت فيها قوات السلطان سعيد، ولجأ الإمام غالب بن علي الهنائي وكباررجال الإمامة إلى الدمام بالمملكة العربية السعودية ، وبذلك تمكن السلطان سعيد بن تيمور من توحيد عُمان والسيطرة على جميع المناطق التي كانت خاضعة للإمامة.

بعد ذلك أعلنت جبهة تحرير ظفار الحرب ضد حكومة السلطان سعيد بن تيمور في 9 صفر 1385هـ(9يونيو 1965م)، فأغاروا على حصن طاقة وحصن مرباط ، ونفذوا مجموعة كمائن على الطريق الواقع بين مسقط وصلالة ، كما خططوا لاغتيال السلطان سعيد أثناء رعايته أحد الطوابير العسكرية في معسكر أرزات في 5 محرم 1386هـ(26إبريل 1966م)، غير أن تلك الخطة فشلت في تحقيق هدفها؛ مما جعل القوات الحكومية تقوم بعدة عمليات عسكرية في جبال ظفار رداً على محاولة اغتيال السلطان ، وفي 1388هـ(1969م) سيطر الثوارعلى ضلكوت ورخيوت وسدح،واستمرت الحرب حتى عام 1395هـ(1975م) في عهد جلالة السلطان قابوس بن سعيد-طيب الله ثراه-الذي انتصر على الثوار في صرفيت.

تبنى السلطان سعيد بن تيمور سياسة مالية اعتمدت على الموارد القليلة للبلاد وذلك لتأثر عُمان بظروف الكساد الاقتصادي العالمي في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي ، وتخلى عن تسديد الديون التي علي البلاد منذ زمن أسلافه. أسس السلطان سعيد بن تيمور المدرسة السعيدية بصلالة عام 1355هـ (1936م) ، ثم المدرسة السعيدية بمسقط عام 1359هـ (1940م)، ثم المدرسة السعيدية بمطرح 1379هـ(1959م). وأنشأ إدارة التنمية في 1379هـ (1959م) لتشرف على قطاعات الصحة والزراعة والأشغال العامة ، فأسست تلك الإدارة بعض العيادات منها مستشفى الإرساليه الأمريكية في مطرح ، وفي المجال الزراعي أنشئت مزرعتان تجريبيتان في نزوى وصحار ، كما قامت تلك الإدارة بتمهيد مجموعة من الطرق ، وأنشئ نظام اتصال (راديو – هاتف ) في بيت الفلج ، ونفذت شركة كهرباء مسقط مشروع تزويد مسقط بالكهرباء .

اتخذ السطان سعيد بن تيمور بعد تصدير النفط العُماني في 1386هـ (1967م) عدة إجراءات تنموية وذلك لما تدره عائدات تصدير النفط من أموال على خزينة الدولة ، فأصدر أوامره في عام 1388هـ (1969م) بتأسيس مجلس الإعمار تكون مهمته تنفيذ المشاريع التي يقررها السلطان، وترتيب الموزانة اللازمة لكل مشروع ، والاتصال بالخبراء والفنيين للاستفادة من خبراتهم في تنفيذ تلك المشروعات ، ووضعت الخطط للعديد من المشروعات الخدمية الأساسية مثل : مشروع تزويد مسقط بالمياه ، وإنشاء دائرة بريد مركزي ، ومدرسة للبنات ، والمستشفى السعيدي في روي ، ومستوصفين في مسقط ومطرح ، ومستشفى في تنعم وأخر في صور ، وإعادة تأهيل ميناء مطرح ، وإنشاء كورنيش بمطرح ، وإقامة سوق للخضار واللحوم في مسقط وآخر في مطرح ، وأصدر السلطان سعيد 1389هـ (1970م) الريال السعيدي ليكون العملة الرسمية في البلاد بدلاُ عن العملات الأجنبية التي كانت منتشرة مثل : الدولار النمساوي والروبية الهندية.

سافر السلطان سعيد بن تيمور إلى الهند برفقه أخوه طارق وعمه حمد ، واستقبلوا في مقر نائب الحاكم في 8رمضان 1356هـ (12نوفمبر1937م) ، واستقر عشرة أيام في ضيافة الحكومة الهندية ، ثم توجه إلى كوبيه في اليابان لزيارة والده ، وأمضى هنالك 17 يوماً ، ثم توجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية بناء على دعوة أمريكية ، ورافقه فيها والده ، ووصل في 18 ذي الحجة 1356هـ(19 فبراير1938م) إلى سان فرانسيسكو ، ثم توجه إلى واشنطن وكان في استقباله وزير الخارجية الأمريكي كورديل هل ، وخرج مع الرئيس الأمريكي روزفلت برحلة بحرية ، ثم غادر نيويورك إلى بريطانيا التي وصلها في 26 محرم 1357هـ(28مارس1938م)، فاستقبله الملك جروج السادس الذي منحه وشاح الفارس من الحكومة البريطانية ، وبعد أسبوعين سافر إلى باريس ، وعاد إلى لندن مرة أخرى في 18 صفر 1357هـ(19إبريل 1938م)، ثم رجع إلى عُمان.

ارتبط السلطان سعيد بن تيمور بعلاقات صداقة مع بريطانيا ، فقدمت له الأسلحة والخبراء العسكريين البريطانيين لمساعدته في بناء قواته العسكرية ، وقد منح السلطان سعيد شركة البترول البريطانية المحدودة امتياز التنقيب في ظفار بموجب الاتفاقية مع الشركة في 1356هـ(1937م) ، كما جدد في 1357هـ(1939م) اتفاقية التجارة والصداقة والملاحظة التي وقعها حده السلطان فيصل بن تركي مع بريطانيا في 1308هـ(1891م)، إلى جانب ذلك ارتبطت عُمان بعلاقة صداقة وتجارة مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ أن وقع السلطان سعيد بن سلطان (حكم:1219-1273هـ/1804-1856م) في 1248هـ (1833م) اتفاقية التجارة والصداقة مع الولايات المتحدة الأمريكية ، كما وقع السلطان سعيد اتفاقية صداقة وتجارة وملاحة مع جمهورية الهند في 1372هـ(1953م)، تضمنت رعايا كلا الطرفين في بلد الآخر ، والجوانب المتعلقة بالتبادل التجاري بين الطرفين.

في 19 جمادى الأولى 1390هـ (23 يوليو 1970م) تنازل السلطان سعيد عن الحكم لابنه جلالة السلطان قابوس بن سعيد ، وغادر إلى لندن واستقر بها حتى وفاته يوم الخميس 12 رمضان 1392هـ (19 أكتوبر1972م) ، ودفن في مقبرة بروكوود.

قابوس بن سعيد بن تيمور ( حكم: 1390 - 1441هـ / 1970 - 2020م )سلطان

هو جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور بن فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان بن أحمد بن سعيد البوسعيدي ـ طيب الله ثراه ـ . ولد في السابع عشر من شهر شوال عام 1359هـ الموافق الثامن عشر من نوفمبر 1940 في مدينة صلاله بمحافظة ظفار من سلطنة عمان، وهو السلطان الثامن لعمان في التسلسل المباشر لأسرة آل بوسعيد التي تأسست على يد الإمام أحمد بن سعيد في عام 1741م والذي مازالت ذكراه موضع احترام واجلال في عُمان كمحارب وإداري مستنير تمكن من جمع شرائح المجتمع العماني في دولة متطورة .

وقد بدأ جلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ أولى مراحل تعليمه في عمان ومن ثم أرسله والده السلطان سعيد بن تيمور في سبتمبر سنة 1958م إلى ( انجلترا) لاكمال تعليمه ، حيث امضى عامين في مؤسسة تعليمية خاصة في ( سافوك ) والتحق بعدها في عام 1960م باكاديمية ( ساند هيرست ) الملكية العسكرية كضابط مرشح تخرج منها بعد سنتين لينظم جلالته الى احدى كتائب المشاه البريطانية العامله آنذاك في المانيا الغربية وهي ( الكتيبه الأولى ـ الكامرونيون سكوتش رايلفز ) حيث أمضى ستة أشهر كمتدرب في فن القيادة .وبعد اكمال جلالته العلوم العسكرية ضمن الوحدة البريطانية في المانيا التحق في دراسة نظم الحكم المحلي،وأكمل دورات تخصصية في شؤون الادارة ، ثم قام بجولة ثقافية حول العالم ، والتقى السلطان قابوس بن سعيد بجده السلطان تيمور بن فيصل عام 1383هـ (1964م) أثناء زيارته الهند، وذلك في إطار الجولة العالمية التي أعدها له والده السلطان سعيد والتي استغرقت ثلاثة أشهر. وفي سنة 1964م عاد الى عمان ، وكان يمضي معظم أوقاته في الاستزاده من علوم الشريعة الاسلامية وحضارة وتاريخ بلاده.

وفي 19 جمادى الأولى 1390هـ (23 يوليو 1970م) تنازل السلطان سعيد عن الحكم لابنه جلالة السلطان قابوس بن سعيد ، وبزغت شمس النهضة المباركة وأعلن جلالة القائد الراحل ميلاد فجر جديد على عُمان وأهلها ليعم الضياء، ولتنهض عُمان شعبًا ومجتمعًا لتستعيد مجدها الحضاري ودورها الإيجابي في محيطها الخليجي والعربي والإقليمي ، ولتكون داعية سلام وركيزة قوية في هذه المنطقة الحيوية من العالم ، التي تلتقي فيها مصالح العديد من القوى والأطراف الإقليمية والدولية.

لم تكن النهضة العُمانية مجرد خطوات تسعى لتحقيق النمو والازدهار ولبدء مرحلة البناء والتعمير فحسب ، بل كانت استشراقاً لما يحمله الغد من آمال وتطلعات ، وعليه فقد حرص جلالة السلطان قابوس بن سعيد  – طيب الله ثراه -وهو يرسم خطط البناء والتعمير، أن يسابق الزمن ليعوض شعبه ما فاته ، ويعيد له كرامته ومكانته ، ولذا كان الإنسان العُماني متفاعلاً مع ما يحيط به من أحداث ، يتأثر بها ويؤثر ، ويحلم ويتطلع ، ويرسم آمالاً ورؤى تجسدت على أرض الواقع ، فكانت النهضة العُمانية سباقة لعصرها ، تجاري المستقبل ، وترسم أفكاره ورؤاه ، وحققت في زمن وجيز ما تعجز عن وصفه الكلمات والأوصاف ، وكل ذلك كان بعزيمة وقوة وفكر مستنير جسده جلالة السلطان المعظم منذ انطلاقة الأولى لمسيرة النهضة العُمانية الحديثة.

لقد وضع جلالة السلطان قابوس بن سعيد  – طيب الله ثراه - أساساً راسخة ومبادئ واضحة لمسيرة النهضة العُمانية ، وكان جلالته –رحمه الله –يؤكد في كل مناسبة وكل محفل على أن النهضة العُمانية تنبع أساساً من هذا الشعب ، وتستمد مقوماتها من تراثه وحضارته ، وتستلهم قيمه ومبادئه ، لا تحيد عن عاداته وتقاليده العُمانية الأصيلة ودينه الإسلامي الحنيف ، مع عدم إغفال حضارة العالم ، التي تمثل عُمان جزءاً لا يتجزأ منها ، ولذا فحين انطلقت مسيرة النهضة العُمانية لم تكن منغلقة أو محكومة بإطار ومنهج معين ، بل كانت مزيجاً من الأصالة والمعاصرة ، تأخذ ما يصلح لها من الآخر وتترك ما يتناقض مع مبادئها وأسسها ، وكان الإنسان العُماني هو المحرك الأول لهذه النهضة بما يمثله من قيم وسلوكيات ، زاده في ذلك ومثله الأعلى قائده وباني مسيرته  جلالة السلطان قابوس بن سعيد ا، الذي امتلك رؤية واضحة لما يتمناه لعُمان ، الوطن والشعب ، الدولة والمجتمع ، وتحمل مسوؤلية إحياء حضارة الإنسان العُماني واستعاده أمجاده وربطه رباطاً وثيقاً بالأرض ليشعر بعمق الوطنية ومدى التجاذب بينه وبين أرضه الطيبة.

ولم تتوقف طموحات جلالته عند حدّ ، فالأهداف تتابع ، وتتواصل ، لأن جلالته –طيب الله ثراه - صاحب رسالة للنهوض بعُمان ، واستعاده مكانتها اللائقة وإسهامها الحضاري البناء في محيطها الخليجي والإقليمي والدولي ، كما أن جلالة القائد المفدى –طيب الله ثراه - انطلق من ركيزة أساسية هي الإيمان العميق بالمواطن العُماني ، وبقدراته وطاقاته الخلاقة ، ومن ثقة تامة أيضاً في قدرته على تحقيق طموحاته ، وما يتطلع إليه ، فبالرغم من أن الصعوبات كانت كبيرة ، خاصة في السنوات الأولى لانطلاق مسيرة النهضة العُمانية ، إلا أن قدرة القيادة وحنكتها ، وكذلك تجاوب أبناء الشعب العُماني معها ، كان أيضا بلا حدود.

وكان من أهم الأسس التي أرساها جلالته-طيب الله ثراه- خلال الأعوام الماضية أن بناء الدولة العصرية واستكمال مؤسساتها ، وتشييد بنيتها الأساسية ، إنما يقوم على أكتاف المواطن العُماني ، وعبر مشاركة واسعة وعميقة ومتواصلة للمواطن في هذا الجهد التنموي المتواصل ، انطلاقاً من أن "الأوطان لا تنبى إلا بسواعد أبنائها "واستناداً في الوقت ذاته على مبدأ المواطنة والمساواة بين المواطنين ، وحشد كل الطاقات الوطنية لتحقيق مزيد من التقدم والرخاء في إطار دولة المؤسسات وحكم القانون واستناداً كذلك إلى النظام الأساسي للدولة وتعديلاته وما يتضمن من مبادئ وأسس وقواعد تكفل الحريات الأساسية ، وتتوزان وتتكامل فيها الحقوق والواجبات في ظل قضاء عادل ومستقل ، وفي ظل فصل للسلطات التنفيذية والتشريعية ، وتكامل فيما بينها في الوقت ذاته. ومن هنا فإن قيمة ما تحقق تمتد إلى عظمة وحكمة وبعد نظر القيادة الحكيمة ، التي حركت وتحرك ذلك كله في أداء رفيع ، حرص دوما على إعلاء مصالح الوطن والمواطن العُماني ، وتهيئة الظروف والمناخ الملائم لتحقيق الأهداف والأولويات الوطنية ، داخليا وخليجيا وإقليميا ودوليا ، وهو ما يعود الفضل فيه لله تعالى ، وإلى الفكر المستنير لجلالة القائد المفدى.

تميزت مسيرة النهضة العمانية الحديثة منذ انطلاقها في عام 1970م بقيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد  – طيب الله ثراه- بعلاقة عميقة بين القائد وأبنائه في كل بقاع السلطنة ، والتي يشغل المواطن العماني في ظلها بؤرة الاهتمام والأولوية باعتباره أغلى ثروات الوطن ، وإدراكاً للأهمية الكبيرة للتنمية البشرية كركيزة أساسية من ركائز التنمية الشاملة والمستدامة.

وقد تمثلت الجولات السلطانية السامية لقاءات متجددة بين القائد والمواطن، حيث يلتقي فيها جلالته مباشرة مع المواطنين لتعبير عن عمق الاهتمام من جانب جلالته بالمواطن العماني وبالاستماع إليه بشكل مباشر والاطلاع على حياته حيث يقيم ومن ثم ينتقل جلالة السلطان  قابوس وعدد من الوزراء والمستشارين في جولات تمتد لعدة اسابيع في بعض الأحيان يتفقد خلالها جلالته العديد من مناطق السلطنة حيث يلتقي بالمواطنين والشيوخ والوجهاء سواء في اللقاءات التي تعقد في المخيم السلطاني الذي يقام في السيوح التي يتوقف فيها جلالته ، أو في لقاءات اخرى خلال تحركه منفردا في تلك الجولات الكريمة ، و تعتبر الجولات السنوية السامية التي يقوم بها جلالة السلطان قابوس في المناطق والولايات قناة اخرى واسعة ومفعمة بكل ما تجسده اللقاءات المباشرة بين جلالته والمواطنين من معان صادقة ومشاعر جياشة للمشاركة التي يشعر من خلالها المواطن بقدرته على الحديث مع جلاله القائد وعرض ما يراه دون عناء او حواجز، حيث يطرحون على جلالته - طيب الله ثراه – ما يجـول بخـواطرهم ، ومن ثم ينطلق الحوار المتبادل بتلقائية وعفوية يتلمس من خلاله نبض واهتمامات المواطنين وموجـها كذلك نحـو الأولويات الوطنية اقتصاديا واجتماعيا وفي مختلف المجـالات وهو ما يعزز مسيرة التنمية الوطنية ويمنحـها دوماً المزيد من وضوح الرؤية والفعالية وتحقيق المزيد من الحشد للطاقات الوطنية سواءً في الاطار التنظيمي أو على المستوى الجماهيري الواسع كما يستقبل جلالته في المخيم السامي ايضا القادة وكبار المسؤولين من الدول الشقيقة والصديقة الذين يزورون السلطنة.

وقد حضيت قوات السلطان المسلحة والحرس السلطاني العماني وشرطة عمان السلطانية وأجهزة الأمن باهتمام ورعاية جلالة القائد الراحل -طيب الله ثراه- إيمانا منه بأن توفير الأمن والأمان للوطن والمواطن يشكل ركيزة مهمة وضرورية لتحقيق التنمية والازدهار، فإن ما تنعم به السلطنة من أمن وأمان واستقرار ومن تطور وازدهار في الواقع ثمرة من ثمار السياسات بعيدة النظر لجلالة القائد المفدى في مختلف المجالات داخليًا وخليجيًا وإقليميًا ودوليًا كذلك.

وعلى صعيد السياسة الخارجية وانطلاقا من المبادئ التي ارساها جلالة السلطان الراحل لسياسة السلطنة ولعلاقاتها مع مختلف الدول الشقيقة والصديقة وعلى امتداد العقود الماضية فإن سياسة السلطنة تقوم على مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الاخرى وعلى حسن الجوار وحل المنازعات بالطرق السلمية والتعاون مع كافة الجهود المبذولة لتعزيز الحوار والتفاهم بين الدول وصولا لتحقيق الأمن والاستقرار والتقارب بين دول وشعوب العالم.

لقد كان للسلطان قابوس بن سعيد - طيب الله ثراه- اهتمامات واسعة بالدين واللغة والأدب والتاريخ والفلك وشؤون البيئة ، وظهر ذلك جليا من خلال دعمه الكبير للعديد من المشروعات الثقافية وبشكل شخصي ، محليا وعربيا ودوليا سواء عبر منظمة اليونسكو وغيرها من المنظمات الإقليمية والعالمية.

وفي مساء يوم الجمعة بتاريخ الرابع عشر من جمادى الأولى لعام 1441 هـ الموافق العاشر من يناير لعام 2020 م انتقل السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- إلى جوار ربه بعد نهضة شامخة أرساها خلال خمسين عاماً ، وبعد مسيرةٍ حكيمةٍ مظفرةٍ حافلةٍ بالعطاء ، شملت عُمان من أقصاها إلى أقصاها ، وطالت العالم العربي والإسلامي والدولي قاطبة ، وأسفرت عن سياسةٍ متزنةٍ وقف لها العالم أجمع إجلالاً واحترامًا.




شارك بهذه الصفحة :